العدد 4180
الأربعاء 25 مارس 2020
العالم كما يجب أن يكون
الأربعاء 25 مارس 2020

يقال في لهجة البدو قديما، “الولد أنمرع”، أو بالأصح مرع، وتقال حين تظهر على الولد مظاهر الفساد والدلال الزائد حيث يغدو التحكم به صعبا، فإذا ما انصاع إلى التهديد تداركوه قبل أن يجني على نفسه بتضييق الخناق عليه وإنزال عقوبات قاسية به حتى يستقيم ويعود إلى الصواب.


شهدت البشرية خلال العقود الماضية طفرات على جميع الصعد، ساهمت في ارتفاع مستوى رفاهيتها، ولكنها أيضاً ساهمت في رفع مستوى الإضرار بالعالم، حتى لم تعد تكتفي أبدا، فما كان من هذا العالم المجني عليه إلا أن انقلب عليهم علهم يتعلمون شيئا من الدروس فأرسل عليهم وباء أقعد معظمهم في منازلهم وأجبرهم أن يمرغوا أيديهم في الإيثانول لعلهم يستفيقون، وبشيء من القسوة أجبرهم على أن يعيدوا النظر في المعنى الحقيقي لحياتهم وأولوياتهم. فأفراد البيت الواحد المتفرّقون ألزموا بأن يجتمعوا الآن في بيت واحد، وربات البيوت “قرن في بيوتهن“ كما أمرن، لربما في هذه الفترة أدركن حاجات أبنائهن الناقصة، أو مصائب كانت على وشك الحدوث.
أما على مستوى الفرد؛ فمن لا يملك أسباباً حقيقية للخروج، يقبع في منزله ليلازم نفسه للمرة الأولى، وهذا الواقع يحمل بعدا مختلفا، فما نختبره من فراغ هذه الأيام هو مقياس للقيمة الحقة ومعنى وجودنا، ربما هي فرصة ليكتشف الواحد فينا نفسه في بعد مختلف بعيدا عما كان يقضيه في اللهو والضجيج والهرب، فنحن في أوج حقيقتنا في الخفاء دون أن يراقبنا أحد، أما ما نظهره للآخرين فهو ما فرضه علينا المجتمع، لربما في هذه العزلة تتحلل منا بعض المشاكل التي لا وجود لها بالأساس وإنما هي نتاج علاقاتنا بالآخرين.


في هذه الأزمة أدركنا أهمية الأطباء والعلماء والباحثين البيولوجيين، حيث شغلتنا عن قيمة ما يقومون به فقاعات السوشال ميديا، وأصبحنا بانتظار جهودهم للتوصل لعقار، ولو أنهم استنفدوا كل الخزائن فيما يسعون إليه لإنقاذ البشرية ما اعترضنا.


ما يحدث الآن هو انقلاب في الموازين، أو بمعنى أصح إعادة الأمور إلى نصابها وحقيقتها الفضلى، وباتت غريزة البقاء سيدة الموقف لتطيح بكل الزخارف الاجتماعية الزائفة، والنفاق والدجل والتفاهة .ما نمر به كما أراه، ليس حجراً أو عزلاً، بل هي الحياة كما يجب أن تكون، والحمد الله أننا مازلنا بخير، بل نحن في أتم الخير رغم كل ما يمر به العالم من آلام وخسائر.  لقد جاء هذا الفايروس لينقذ العالم مما كاد يقتله، فالموت هو الموت؛ حقيقة واقعة ونهاية محتومة وقدر لا جدال فيه لكن أن نموت أحياء فتلك المأساة الكبرى (نقطة)

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية