العدد 4180
الأربعاء 25 مارس 2020
ريشة في الهواء أحمد جمعة
العالم يتضامن ويتغير
الأربعاء 25 مارس 2020

أظن أنه حان الوقت لأن نتأمل ساعتنا إلى أين تشير... العالم لأول مرة يتغير إيقاعه بهذا الحجم والسرعة، فمنذ القرنين الماضيين لم نر العالم يقف على رأسه، والحياة تتوقف في جميع الدول والشعوب تتكاتف، بل الزعماء ينسون غرورهم ويخشون على أنفسهم أكثر من مناصبهم، لأول مرة تنفضح الثقافات ويتعرى المستور ونرى الجميع يكشفون عن وجوههم وسط الخوف، فتظهر الإنسانية في جهة وتقفز الأنانية مقابلها، هناك من يسبق الجميع في تخزين المؤن، وهناك من يتبرع بصحته ويتطوع لخدمة غيره، سباق بين الإنسانية و”الإيثارية”، لا أستغرب رؤية العالم يتغير، وتتوقف الحياة لتبدأ دورة جديدة مختلفة، الحب الجسدي يفتر خشية الإصابة، والحب العاطفي يزدهر خشية الفراق، كل شيء تغير في هذا الوقت، فلم تعد الأولوية للمال بل للصحة، ولا الأولوية للسفر والسياحة بل للبيت والغرفة والحجر.


العالم فعلا تغير فبين ليلة وضحاها لم يعد الكون هو نفسه قبل كورونا وبعد كورونا، يستحق هذا الوقت أن نطلق عليه زمن الكورونا! العالم يتضامن، لأول مرة بعد الحرب العالمية الثانية، روسيا تبعث مساعدات طبية لأوروبا، لأول مرة تتراجع العواطف الساخنة وتبرد وتشتعل العواطف الإنسانية، لأول مرة يصاب الفقير والغني بالخوف من مرض واحد ينتشر، لأول مرة تعلن حالة الطوارئ في جميع الدول.. لأول مرة.. لأول مرة.


نحن بحاجة للتوقف والسؤال... هل نحن أصحاء ومعافون فكريًا وثقافياً؟ ألا نحتاج لخلوة أو عزلة للتأمل بعد كل الهرج والمرج الذي عشنا خلاله كل السنين الماضية دون أن نتوقف ونتأمل الحياة وما تخبئ؟ كنا نظن أن الفقراء وحدهم من يصابون بالأمراض الفيروسية حتى رأينا رؤساء ووزراء، نوابا وعسكريين يغزوهم الفايروس في عقر دارهم وهذا مغزى التغيير الذي يشهده العالم والذي على إثره ستتغير الدول والشعوب، انتظروا فقط انقشاع هذه الغمامة الدولية وسترون احتفالات ومهرجانات وكرنفالات تعم الكرة الأرضية، سترون تغييرا في السياسات بين الدول وعلاقات بين الأصدقاء والأعداء، وهذا ما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، وليس بعيدًا أن تكون هذه هي الحرب العالمية الثالثة الأخيرة في هذا القرن.


لسنين ونحن نسطر المقالات والكتب والأشعار، زمن طويل شاهدنا فيه المئات من الأفلام واستمعنا لوابل من الأغاني، تصب في التعبير عن الحياة والحب والهجر، رقصنا وغنينا وضحكنا وبكينا وسخرنا وتنمرنا وسكبنا دموع الحزن وعبرنا عن مشاعر، غالبيتها سطحية وخاوية هي نتاج إيقاعات بعيدة عن التأمل، ولأجل الشهرة والأضواء هدرنا الوقت في خضم صخب الحياة، لم نتوقف لحظة لنسأل... لنفهم ما معنى ما قدمناه حتى الآن؟.
تنويرة: خروجك من السرب ضرورة إذا فقد السرب وجهته.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .