العدد 4243
الأربعاء 27 مايو 2020
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
النزف باللون الأخضر
الأربعاء 27 مايو 2020

أنا لا أعبث بأوراق دانتي في “الكوميديا الإلهية” ولا بدموع شاعر فرنسا العظيم بودلير في قصائد “أزهار الشر” وهو ينزف بسوداوية على الواقع المر ولكن بدم أخضر.

لا أؤمن باشتراكية لينين التي تزيد مع الأرغفة ملاجئ ودموعا جديدة، وأنظمة شيوعية ينخر فيها سوس الحزب الواحد والأوحد، ولا برأسمالية آدم سميث في كتابه “ثروة الأمم” التي تحول السنة الجوعى إلى أشرعة سفن هاربة من فضائحية فيروس كورونا، حيث تظهر هزالة العالم المغرور بانتفاخ “الأنا” أمام الله، وتصخم الجشع، في أميركا ومعظم دول الغرب عدا الدول الاسكندنافية، دول السعادة وحقوق الإنسان، لا أؤمن بكل ذلك، ولا أدعم أي يافطات دينية توزع قسائم أراضي الجنة للفقراء، وهي تزرع المخدرات على أراضي الفلاحين، وتبيع عرقهم مع ارتفاع بورصة العباءات المثقوبة مع أشلاء منشورة على الجغرافيا نعوشا وتوابيت ومقابر.

السجن الفكري أخطر السجون، يقول دوستويفيسكي “إن أفضل طريقة لمنع سجين من الهروب بأن تتأكد أنه لا يعلم أنه في سجن”. لست مع العولمة، وهي تشطب “نحن” لأجل فردية “الأنا”، ولا مع عالم ما بعد الحداثة إذا كان سيحول الكائنات البشرية إلى تكدس مال وفي داخله قلوب محطمة تبحث عن الخلاص، ولو برصاصة انتحار.

هذه جمالياتنا، صورة علي (ع) معلقة كلوحة زيتية على جدار القلب، تسمح للقناديل أن تصطف لتعلن عن الضوء، وقلب ينبض بحب بودلير الوطني الغريب، وعقل يرسمه فولتير الهارب من ظلم الكنيسة، يبحث بملقطه عن إنسانية حين استحالت إلى جثة مهترئة في بطون ضباع العنصرية؛ وبين القلب والعقل بداخلي، يد تحمل إصبع فان جوخ وبيكاسو بلوحة “الصرخة” للفنان مونك، في وجه بشاعة العالم، ويد تعزف لموزارت هاربا من الجوع، وبيتهوفن تركله أرجل الصبية عندما وجدوه ملقى على رصيف في شوارع النمسا دون أن يحترموا قامته، وأصابعه الجميلة. وعين تحلق في الإلهة، وأخرى تذرف دمعا على خطيئة ماضٍ متشظٍ، أثخنته هرطقيات وكهنوتية وارثوذكسية الكهنة الذين تتدلى بطونهم بالحقوق وهم في حربهم ليوسف.

منحاز أنا لكل عاشق يتنفس الحياة على بقايا أتربة بقيت عالقة بذكرى ثوب الحبيبة غبارا ودما ودمعا، مرتلا قول جبران “سلاما على من يملكون معنى الحب، ولا يعرفون حبيبا”.

أنا مع حقيبة سفر تسافر مع ريح قاصف، ووجع عاصف، تعصف بالورق والذكرى. فعندما تشرق الشمس تكشف باريس عن أجمل مفاتنها، نهر السين يحتسي قهوته، وشفتي جادة الشانزليزيه، وهي تلونها بلون أحمر، وغرور برج ايفل يبسم في وجه كتدرائية نوتردام حيث مات فيكتور هيجو، وما انتهت قصة “الاحدب نوتردام” مع رنة كؤوس العشاق في المقاهي المعتقة القديمة مرتلا قول محمود درويش “إذا أعادوا لك المقاهي القديمة، من يعيد لنا الرفاق؟”، بجمال آرثر رامبو في شعره الثوري، وغوستاف فلوبير في تمسكه بالعشق على كبر، ومارسيل بروست في زمن ضاع ولم يعد، وغوستاف لوبون في تشفير الجماهير، وجاك فلوبير في نوم الحب كطفل يرتعش على ذراع الحبيبة، ولافونتين في أساطيره، والبيركامو مرتلا رواية “الغريب”، حين خان الحب فخانه.

عندما أنزف على ورق الكتابة، أنزف لأجل الوطن وعين البحرين، منشدا شعر رسول حمزاتوف “شيئان في الدنيا يستحقان التضحية الكبيرة: وطن حنون وامرأة رائعة”؛ لأنحاز إلى المشروع الإصلاحي الذي يحتضن من يؤازره في ترتيب الوطن وربطات الخبز، وزوايا الخاصرة المثخنة بالوجع.

أنا مع عرق العاطلين، والقديس الذي يعيد الحقوق إلى إدارة الأوقاف الجعفرية وليس على طريقة المشعوذ الروسي راسبوتين الذي تاجر بالإله، وسطى على قدسية المال، وغاب مع الريح وكأن شيئا لم يكن.

نريد أن نفتش بالقلم والحبر والدواة عن ثياب قرارات هيئة التامين الاجتماعي وأين استقر منجم أموال المتقاعدين بعد مهزلة بعض شركات التدقيق حيث لا دقة ولا تدقيق، وكيف ننبش توصيات ديوان الرقابة المالية، وكيف نقوم باستجواب الوزراء من منصة الصحافة بالنقد الحضاري حتى لو سبب لبعضهم الصداع أو أصيبوا بالصدفية في رأس الإدارة أو بحكة جلدية.

وبين هذا وذاك، نرفع القبعة تقديرا لقيادة جلالة الملك في تعملق القلعة وعلو العلم على ناصية الوطن، وسمو رئيس الوزراء في تماسك الجذر والجدار والجلّنار، وسمو ولي عهد، وهو يرتب أثاث المستقبل حيث أثبت جدارته وجداريته الزيتية بامتياز في قيادة الفريق بتأنٍ أبهر الجميع أمام فيروس لا يرحم ولا يستحم إلا بالموتى نعوشا أشجارا وأغصانا غضى وأكاليل كما يقول الإمام علي (ع) “للنكبات غايات تنتهي إليها، ودواؤها الصبر عليها، وترك الحيلة في إزالتها، فإن الحيلة في إزالتها قبل انقضاء مدتها سبب لزيادتها”.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .