العدد 4246
السبت 30 مايو 2020
النقلة النوعية في الدوبامين.. من اللذة الحسية إلى المتعة الفكرية
السبت 30 مايو 2020

يسود الاعتقاد بأنّ الدوبامين هو هرمون المتعة، حيث إن هناك الكثير من الأطعمة والممارسات البشرية الباعثة على البقاء، والتي تثير إفراز الدوبامين للإحساس بالاسترخاء واللذة الجسدية، لكن ما هي الحقيقة العلمية للدوبامين؟

منذ سنوات، قام العالمان “مورتن كرينجلباش” و”كينت بيريدج” بحقن أدمغة جرذان بمادة محفّزة لإفراز كمية كبيرة من الدوبامين، فكانت النتيجة أنّ الجرذان اندفعت بشكل أكبر للحصول على الطعام السكّري، مقارنة بمن لم يتم حقنها بنفس المادة، رغم أن شعور المجموعة الأولى من الجرذان بلذة ذلك الطعام السكّري لم يختلف عن من المجموعة الثانية، وكان ذلك الشعور بلذة الطعام يرصد بإيماءات وجوهها، والتي هي بحد ذاتها نفس الإيماءات التي يعبر بها أطفالنا الصغار عن مذاق الطعام، وعند حقن أدمغة مجموعة أخرى من الجرذان بمادة تؤدّي إلى تدن كبير في إفراز مادة الدوبامين، حدث العكس، حيث انعدمت لديها الرغبة للحصول على نفس الطعام السكّري حتى أوشكت على الهلاك، لكن عند إطعامها بوضع ذلك الطعام في أفواهها، عبّرت عن لذة الطعم السكّري، ما يجعلنا نستنتج من هذه التجربة الواضحة أن الدوبامين الذي هو في الحقيقة ناقل عصبي وليس هرمونا، مرتبط بالرغبة دون اللذة أو المتعة.

وبين هذا وذاك، فإن دوبامين الرغبة قد يفرز في مسار دماغي مرتبط باللذة الحسية، أو قد يفرز في مسار دماغي آخر مرتبط بالمتعة الفكرية، وما علينا سوى الاختيار، فالمسار الحسي يكون بمرور الدوبامين على نقاط تسمى نقاط اللذة الحسية التي بدورها تفرز مواد كيميائية (شبيهة بالمواد المخدّرة)، تلك النقاط هي المسؤولة عن تضخيم الشعور بلذة الطعام السكّري، ما يحفّز تناول المزيد من السكريات، والإدمان عليها مع مرور الوقت، حالها حال المخدّرات والمسكّرات وغيرها من المواد والسلوكيات التي يتعوّد عليها البشر للخروج من دائرة التوتّر والاكتئاب، فيكون بقاء الإنسان بين التوتر والإدمان سلسلة لا تنتهي، لأنه في حالة اللاوعي في قيمته الكونيّة. أما عندما يكون إفراز الدوبامين في مسار المتعة الفكرية، فإنه يكون بمرور الدوبامين بمناطق القشرة الجبهية في الدماغ المرتبطة بالشعور بالإنجاز الحقيقي والامتلاء الروحي، وليس الإشباع المادي المؤقت كما في مسار اللذة الحسية، ذلك أن الإنسان يكون قد انطلق فيما يعشق عمله بالتحدّي والإنجاز بلا قيود، التي هي في الحقيقة قيود عقلية ليس إلاّ، فتكون ممارسة ذلك العشق الذي هو القيمة العليا للإنسان بهدف واضح مقرون بالحياة الواعية، التي تنبثق عن اتساق القلب الذي هو مكمن القيمة العليا لذلك الإنسان، والجزء الأمامي من الدماغ المناط باستقبال الأفكار المرتبطة بالقيمة العليا، لتفعيل الخيال وتجسيد تلك الأفكار في العالم المادي، هنا فقط يرتفع اللاوعي الحسي الجسدي إلى الوعي الفكري الروحي. فعندما يرتبط إفراز الدوبامين من مسار اللذة الحسية إلى المتعة الفكرية تحدث النقلة النوعية، أي النقلة النوعية من البقاء إلى الحياة، دعوة إلى التأمّل في الذات.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية