العدد 4261
الأحد 14 يونيو 2020
منظمة العمل العربية وقصة بيت القذافي
الأحد 14 يونيو 2020

من بين أوراقي المبعثرة عثرت على ما يلي: في شهر مارس من العام 2002 ترأستُ وفد مملكة البحرين المشارك في أعمال الدورة 29 لمؤتمر العمل العربي الذي عقد في مقر الجامعة العربية بالقاهرة.

وتتولى منظمة العمل العربية تنظيم هذا المؤتمر في الربع الأول من كل عام، ويحضره وزراء العمل من كل الدول العربية، ومشاركون يمثلون رجال الأعمال والعمال من كل هذه الدول، إلى جانب وفود تمثل منظمات نقابية عربية ومراقبون، وقد انضمت البحرين إلى عضوية هذه المنظمة في العام 1977.

وكان جدول أعمال تلك الدورة كسابقاتها يتضمن بنودا رئيسية ثابتة ومتكررة، وقرارات وتوصيات كانت قد رُحلت وأحيلت إلى هذه الدورة من سابقاتها والتي يتم ترحيلها أو بعض منها إلى الدورات اللاحقة، إلى جانب مناقشة المسائل المالية والإدارية وميزانية المنظمة التي كانت تشتكي دائمًا من عجز مالي ينتج كل عام عن تخلف بعض الدول أو الجمهوريات العربية التقدمية الديمقراطية عن تسديد اشتراكاتها والتزاماتها المالية للمنظمة، وتقوم الدول الخليجية الرجعية بتغطية العجز.

لقد كانت مشاركتي في تلك الدورة آخر مشاركة لي في دورات مؤتمر العمل العربي، حيث إنني بنهاية ذلك العام نُقلت من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وأسندت إليّ مهمة وزارية أخرى.

واختتمت تلك الدورة أعمالها بالبيان الختامي المعتاد في ظهيرة يوم الجمعة الثامن من شهر مارس، تبعه مأدبة غذاء في إحدى قاعات فندق هيلتون النيل الذي كانت تسكنه معظم الوفود المشاركة، وعلى الطاولة الرئيسة المخصصة للوزراء ورؤساء الوفود كان النجم اللامع هو وزير العمل الليبي، وكان العقيد معمر القذافي قد ألغى تسمية “وزير” واستبدلها بكلمة “أمين” وغير اسم الوزارات إلى “لجان شعبية عامة” كما غيَّر أشياء كثيرة أخرى، فأصبح زميلنا الليبي يحمل مسمى (أمين اللجنة الشعبية العامة للقوى العاملة والتدريب والتشغيل بالجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى).

في ذلك الوقت كان المدير العام لمنظمة العمل العربية الصديق العزيز الدكتور إبراهيم قويدر، وهو ليبي كان يتقلد منصبًا قياديًا رفيعًا في ليبيا قبل تعيينه مديرًا للمنظمة، وكان من ضمن الحلقة القريبة من مركز اتخاذ القرار في ليبيا، وبالمناسبة فإنه عندما انتهت ولاية المدير العام السابق للمنظمة العراقي بكر محمود رسول في العام 2000 رشحت البحرين لهذا المنصب الأخ عبدالله راشد بوحجي المدني، الذي كان وكيل وزارة العمل حتى العام 1995 كأول خليجي يترشح لهذا المنصب، إلا أن ذلك ربما لم يكن ممكنًا أو مقبولًا وقتها، فلم يحالفه الحظ فانتخب الدكتور إبراهيم قويدر، مع العلم إن المدير العام الحالي للمنظمة هو السيد فايز علي المطيري، كويتي الجنسية، وقد تولى المنصب منذ العام 2015 وتنتهي ولايته في 2023.

نعود إلى طاولة الغداء الرئيسية وإلى زميلنا الوزير أو الأمين الليبي، الذي لم يتوقف عن الحديث بصوت عال، وبحماس شديد قريب من الانفعال عما حققته ليبيا من إنجازات منذ أن تولى القذافي قيادتها في الفاتح من سبتمبر 1969؛ ومنها “النهر العظيم”، الذي سيحول الجماهيرية العظمى من صحارى جرداء إلى واحات خضراء، وأكد الأمين أن القذافي ليس له أي وظيفة أو منصب رسمي بعد أن تخلى عن منصبه كرئيس للدولة أو رئيس مجلس قيادة الثورة، وأصبح منذ العام 1977 مجرد رمز لا يحكم وإنما يقود ويتزعم، ويحمل لقب “الأخ قائد الثورة” الذي أرسى نظامًا سياسيًا مبتكرًا مبنيا على نظرية للحكم تقوم على سلطة الشعب عن طريق “الديمقراطية المباشرة” من خلال المؤتمرات الشعبية كسلطة تشريعية واللجان الشعبية كسلطة تنفيذية، وقد أصبح القذافي أيضًا فيلسوفا ومفكرًا وقائدًا أمميًا، وألف كتابه الأخضر الذي تضمن “النظرية العالمية الثالثة” التي توفر حلًا لكل المشاكل التي يواجهها العالم وتبرز كبديل أفضل للرأسمالية والماركسية، وقد تكرم الأمين بتوزيع نسخ من الكتاب الأخضر على كل الوزراء ورؤساء الوفود.

وذكر الأمين في نهاية حديثه أنه كُلف مؤخرًا لإيجاد مخرج أو حل لمعضلة إنسانية وإدارية (شائكة ومعقدة) وهي أن العقيد، كما يعرف الجميع، لا يملك بيتًا خاصًا به، وهو لذلك غير مستقر ويتنقل للسكن بين الخيم والمعسكرات، إلا أنه يرغب الآن في الحصول على بيت يسكنه شأنه في ذلك شأن أي مواطن ليبي عادي، وحيث إنه قد ألغى أسواق بيع وشراء العقارات الخاصة ورسخ نظاما أسماه “البيت لساكنه والعقار لشاغله” فأصبحت الدولة هي المسؤولة عن توفير السكن لمواطنيها شريطة استيفاء بعض الشروط المحددة، فتقدم القذافي باستمارة طلب للحصول على سكن، إلا أن الطلب لم يكن مكتملًا ومستوفيًا كل الشروط وكان ينقصه الجواب على سؤالين؛ الأول هو العمل أو الوظيفة التي يشغلها طالب السكن ومرتبه الشهري؛ لأن القذافي ليست له وظيفة معينة ثابتة ومسجلة في سجلات الخدمة المدنية أو العسكرية ولا يتقاضى أي مرتب، فلم تستطع اللجنة المكلفة الموافقة على الطلب ورفضته، والعقيد من جهته لا يريد أي استثناء أو تجاوز القانون! لقد كان الزميل الأمين جادًا وأمينًا في طرحه!

وبعد تبادل النظرات والابتسامات والغمزات واللمزات بين الحضور انتهت مأدبة الغداء بالدعاء وبأصدق التمنيات للزميل الأمين بالسداد والتوفيق له في إيجاد حل لتلك المعضلة الإنسانية المعقدة! وتوجهت والوفد المرافق إلى مطار القاهرة للعودة إلى حضن الوطن بعد أن مررت بإحدى حلقات العمل العربي المشترك الذي يفتقد دائمًا إلى قواعد المصداقية والإخلاص والجدية.

وكانت تجربتي الأولى عندما شاركت لأول مرة في هذه الدورات؛ وهي الدورة 23 التي عقدت في القاهرة أيضًا، وفي مقر الجامعة العربية في شهر مارس 1996، وقد كان يوم الأحد 24 من ذلك الشهر يوم غمرني فيه الإحساس بالزهو والفخر؛ لأنني سأدخل لأول مرة مبنى جامعة الدول العربية، بيت العرب، وجامع شملهم ورمز وحدتهم وتآلفهم، وسألتقي بأمينها العام وقتها السيد عصمت عبدالمجيد ضمن تقليد متبع وهو قيام مدير عام المنظمة بمرافقة أي وزير جديد لتعريفه بالأمين العام.

وبعد اللقاء، وقبل بدء الاجتماعات، وفي ردهة الجامعة أقبل على شخص في غاية الجدية والانضباط، ينطبق عليه صفة “طويل القامة واسع الصدر عريض المنكبين”، وعرف نفسه على أنه الأمين العام للاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب، الذي يتخذ من دمشق مقرًا له، وأوجز إليّ مهام الاتحاد أو “رسالته” كما وصفها، وذكرني بأن من أهم أهداف منظمة العمل العربية “تنمية وصيانة الحقوق والحريات النقابية” و”تيسير تنقل القوى العاملة العربية داخل الوطن العربي، ومساواتها بالعمال الوطنيين في الحقوق والواجبات، والعمل على إحلالها محل الأيدي العاملة الأجنبية”، وأعطاني نسخا من دستور الاتحاد ودستور المنظمة و”الميثاق العربي للعمل” الذي صدر في العام 1965 والذي أُنشئت على أساسه المنظمة وأُصدر دستورها.

بدأت بقراءة الميثاق الذي جاء في ديباجته: “... وإيمانًا بأن العرب سيستعيدون أراضيهم المقدسة في فلسطين المغتصبة وسيحررون كل أجزاء وطنهم التي ما تزال ترزح تحت نير الاستعمار، واعتزازًا بما حققه مؤتمر القمة لملوك العرب ورؤسائهم من وحدة الهدف ووحدة الصف في مجالات واسعة من حياة الأمة العربية، وإيمانًا بأن تكاتف القوى العاملة في الوطن العربي يمثل إحدى الدعامات الأساسية للوحدة العربية، وإيمانًا بما حققه التعاون في ميدان العمل من ضمان حقوق الإنسان العربي في حياة كريمة أساسها العدالة الاجتماعية...”

وغيرها من الحشو الذي يفتقر إلى المصداقية والواقعية والجدية، والتمنيات التي ندرك استحالة تحقيقها، وخصوصًا بعد هزيمة 67 وغزو الكويت في العام 1990، فلم أكمل حتى اليوم قراءة “الميثاق العربي للعمل” أو أي من دستوري المنظمة والاتحاد، وظلت هذه المستندات من بين أوراقي المبعثرة، مكتفيًا بترديد التحية لوحدة الأمة العربية وللتعاون والتكاتف بين شعوبها!

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية