العدد 4312
الثلاثاء 04 أغسطس 2020
د.حورية الديري
قانون سيدة القهوة
الثلاثاء 04 أغسطس 2020

لا تستقيم دورة حياة الإنسان دون نظام محدد، وقد يصعب على المرء في أية مرحلة من حياته إيجاد التوازن بين العديد من المتطلبات والالتزامات، ناهيك عن زخات المحبطين والمتطفلين في محيطه، من يحاولون أن يجدوا لأنفسهم مكانًا لخلخلة أو تقويم ذلك النظام حسبما يرون وأينما عثروا لأنفسهم على مكان.

وكغيري من الناس، في مرحلة ما لم أكن أجد مكانًا لعبور القهوة دورة حياتي، بقدر ما أراني اليوم أتفنن في شراء أنواع البن وأستمتع بمشاهدة ومحاكاة مقاطع إعداد القهوة بكل أنواعها، كما أنني غالبًا ما أعيش طقوسًا خاصة وأنا أتذوقها في محاولة مني لمعرفة أسرارها التي تتطلب الخبرة الكافية في تذوقها باحترافية وقياس جودتها بدقة، ليقيني التام بأن ذلك علم وفن لا ينفصلان.

وفي قانوني المتبع منذ سنوات البحث عن الذات وتمكينها في مجالات عدة وجدت أن معادلة ذلك تعادل دورة حياة القهوة منذ زراعتها حتى تحميصها وطحنها، فمذاقها يستحق كل ذلك العناء، كما في حياتي تمامًا التي تستحق مني كل العناء لإتقان صناعة دورتها، ففي كل مرحلة تحدٍ وإصرار، وكما للمحبطين محاولات كثيرة تكاد تكون فاشلة، إلا أن الله قد حباني ومازلت بالمؤثرين الأخيار الذين أراهم دائمًا يسبقونني بالفرحة وحفل القهوة.

نعيش اليوم عالمًا تتنافس فيه القهوة بأنواعها المختلفة في كل منزل ومقهى، حتمًا.. لكل شخص مزاجه الخاص واختياراته الخاصة للقهوة التي يفضلها، وقد يستغرق بنا الوقت ساعاته ونحن نتنقل بين مقهى وآخر بحثًا عن الجديد المميز في عالم القهوة، في حين لا تخلو صباحاتنا ولا أمسياتنا دون صور ورسائل تعبر عن تلك العلاقة التي تجمعنا مع كوب قهوتنا، بل قد نصف معها مشاعرنا التي قد تصنعها رائحة تلك القهوة ومذاقها المر، بالسعادة أو الحزن.

لنقف أمام صور أخرى من حياتنا ولنجعلها تمتزج دائمًا مع تلك القهوة التي نفضلها، لا تبتعدوا كثيرًا، ففي يومنا الكثير مما يستحق التأمل حتمًا، وأعود إلى التوازن وتلك الزخات التي قد توجعنا، وتصنع ضغوطاتنا التي تثقل كواهلنا وتجعلنا لا نتذوق طعم القهوة من أجل التذوق، إنما من أجل معالجة ذاك الصداع المزمن.

ولا أخفيكم من ذلك سرًا، طالما أنني أتحدث عن قانوني الخاص، فإنني منذ أتقنت احترافية راحة البال وفن اللامبالاة وأنا أسير وفق بروتوكول خاص لا يتناسب مع أجواء وبيئات مشحونة بالمحبطين والمتطفلين الذين بفضل وجودهم أتقنت صنع القهوة ووضعت قانوني الجميل، وصرت أعيش عالمًا متغيرًا، وتلك هي رسالتي اليوم، لا تتذوقوا القهوة باعتبارها الدواء لكم بل الدافع نحو الطاقة والقوة والثبات.

وأخيرًا... هنيئًا لكل من يسمع الآن صوت جعجعة آلة إعداد القهوة لينتهي بكوب قهوة رُسم بداخله رمز يستحق أن يأخذ معه صورة للذكرى، بل قانونًا للحياة.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .