العدد 4314
الخميس 06 أغسطس 2020
تركيا واستدعاء النهج الاستعماري (2)
الخميس 06 أغسطس 2020

أعرف أن البعض من الموهومين والمنتفعين وأصحاب المصالح لا يزالون يجادلون بأن تركيا تدافع عن الإسلام والمسلمين، ولأن هؤلاء لا يقرأون بل يرددون ما يملى عليهم فأنا أدعوهم لقراءة التقرير الذي نشرته صحيفة “تلجراف” البريطانية بتاريخ 26 يوليو الماضي تحت عنوان How Turkey is sending Muslim Uighurs back to China without breaking its promise، الذي تفضح فيه كيف يتاجر نظام السلطان التركي بقضية مسلمي الأيغور وادعاءاته الكاذبة في هذا السياق، ولست هنا في معرض الحديث عن أبعاد هذه القضية التي تخص الأمن القومي الصيني، ولست كذلك من هواة السير في ركب المغرر بهم في مثل هذه القضايا السيادية لدولة كبرى مثل الصين، لكنني فقط أريد تسليط الضوء على نموذج من نماذج زيف السياسة والادعاءات التركية التي تتاجر بمسلمي الأيغور تماماً مثلما تتاجر بقضية اللاجئين السوريين ووظفتهم سياسياً ومالياً بل وعسكرياً أيضاً، وحصلت من خلال استخدامهم كورقة تهديد في ابتزاز الخزانة الأوروبية على أموال تقدر بحوالي ستة مليارات يورو (تصريحات المسؤول المعني بشؤون الاتحاد الأوروبي في وزارة الخارجية التركية في 14 ديسمبر 2019) وإلا فإن البديل هو “فتح الأبواب” للاجئين للوصول لأوروبا!


لم يكن مناسباً إعلامياً ولا من اللائق سياسياً أيضاً أن يشير الجنرال آكار إلى الإمارات ويدعوها للنظر إلى “ضآلة حجمها ومدى تأثيرها”، فهذه النصيحة كان أولى بها حلفاؤه وممولوه في الدوحة ولا تنطبق أبداً على الإمارات، التي أصبح لها دور إقليمي ودولي فاعل يزعج قوى إقليمية تقليدية في مقدمتها تركيا التي تتسم مواقفها ونظرتها للأمور بعنجهية ونظرة استعلائية فارغة تتكئ على ماض اندثر وتاريخ توسعي زاخر بقصص الفشل والفضائح والمؤامرات والفتن والإخفاقات والخيبات.


كما لا أدري، شخصياً، كيف يحق لقوة استعمارية سابقة أن تدعي حقاً في ليبيا، وتنكر في الوقت ذاته حق الدول العربية التي يربط بين شعوبها ودولها مصير وتاريخ ومنظومات عمل جماعي وأطر مؤسسية ناظمة للعلاقات العربية العربية؟!


يقول الجنرال آكار أيضاً في حديثه إن بعض التصريحات المصرية “تكون مستفزة” مع أن الدبلوماسية المصرية تبدو على قدر هائل من ضبط النفس والصبر والوعي والتريث الاستراتيجي، بل لا يصدر عن القيادة المصرية سوى ما يرسم حدود السياسة المصرية وخطوطها الحمر التي يجب على الآخرين مراعاتها للحيلولة دون استفزاز مصر وإثارة غضب جيشها، وهذا مثال آخر على عدم إدراك الساسة الأتراك أبعاد الموقف الإقليمي والضوابط والمعايير الاستراتيجية الدقيقة، التي تحول دون اندلاع صراع إقليمي واسع.


ليس لذلك كله من تفسير، برأيي، سوى “العمى الاستراتيجي”، الذي تحدث عنه مولود داود أوغلو وزير الخارجية التركي في إطار تعليقه على المواقف المصرية والفرنسية تجاه ليبيا، فالعمى الاستراتيجي هو السمة الطاغية على رؤية السلطان التركي وحاشيته في الوقت الراهن وليس على رؤية الأطراف الأخرى ومواقفها؛ فهذا العمى هو ما يفسر قول الجنرال آكار أنه “إذا لم توقف الإمارات والسعودية ومصر وروسيا وفرنسا دعمها للواء المتقاعد خليفة حفتر، فلن تنعم ليبيا بالاستقرار، وإذا استمرت هذه الدول بدعم حفتر فإنه بإمكاني أن أقول: إن الطريق المؤدي للسلام في ليبيا سيكون أطول بكثير”، وليس لذلك من تفسير سوى العنجهية التركية الفارغة والنهج الاستعماري الذي يسعى السلطان لاستدعائه من أدراج التاريخ. “إيلاف”.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .