العدد 4316
السبت 08 أغسطس 2020
“بيروتشيما” وهيروشيما
السبت 08 أغسطس 2020

حينما كنت أتحدث مع مدير التحرير الأستاذ أيمن همام عصر الثلاثاء الماضي، مبدياً رغبتي في تأجيل تسليم مقالي لهذا اليوم بغية التوسع في نصه لارتباطه بذكرى مرور 75 عاماً على إلقاء أول قنبلة نووية أميركية في التاريخ على مدينة هيروشيما اليابانية، وأبدى موافقته مشكوراً، لم يدر بخلدي حينها أنه بعد ساعة من انتهاء مكالمتنا ستقع واحدة من أسوأ مآسي لبنان الكارثية متمثلة في انفجار المرفأ المالي لعاصمته بيروت.

ومن المصادفات أن أطلقت وسائل إعلام على الانفجار "بيروتشيما" تشبيهاً بمأساة هيروشيما اليابانية الأفدح والأخطر في تاريخ البشرية، وإن بدا انفجار المرفأ من حيث قوته وفداحة خسائره بالأرواح والعمران غير مسبوق تاريخياً في تاريخ الانفجارات التي هزت المدينة؛ سواء بفعل الاعتداءات الإسرائيلية الغاشمة على بيروت منذ هزيمة 1967، أم خلال سني الحرب الأهلية (1975 - 1990)، ما فرض عليّ تأجيل الحديث عن "هيروشيما" لأكتب عن كارثة العاصمة المنكوبة "بيروت".

ولا شك بأن هذه المدينة الجريحة بحاجة إلى وقت طويل للملمة جراحاتها من الانفجار الذي يختزل كل أنواع جراحات ومآسي لبنان المزمنة والراهنة: من سياسية واقتصادية وأمنية؛ بفعل عوامل عديدة متشابكة؛ منها المحاصصة الطائفية التي تنعكس بمفاعيلها في جهاز الدولة، فتغدو المحاصصة الطائفية على الضد من مصالح كل الطوائف التي يزعمون تمثيلها، سيما طبقاتها الفقيرة والوسطى؛ ناهيك عن غياب سلطة الدولة المفترضة بمعزل عن مصالح وحسابات الأحزاب وممثلي الطوائف فيها، خصوصا في ظل استقواء طرف محدد بالسلاح تحت عنوان وذريعة "المقاومة الإسلامية"؛ وحيث لا تخلو شبهات المحللين وأطراف سياسية مستقلة ووطنية في مسؤوليته عن وقوع المأساة؛ بقصد أو بدون قصد.

ثمة مقال مهم لمحللة سياسية قيادية في أحد الأحزاب الوطنية الذي كان له شرف إطلاق المقاومة الوطنية باسم كل الشعب اللبناني بجميع فئاته وطوائفه في وجه جحافل الاجتياح الإسرائيلي صيف 1982 والذي حاصر بيروت من كل الجهات مع قصفها بكل أنواع الأسلحة والقنابل وإغراقها في ظلام دامس في وقت لم يولد فيه ذلك الحزب الأصولي ذو النفوذ الواسع داخل المرافق الاستراتيجية الحساسة للدولة - كالمرفأ والمطار - والذي بات يحتكر المقاومة التي يطلق عليها "الإسلامية" باسم طائفة محددة في بلد متعدد الطوائف، لمصالحه وحسابات الدولة التي تدعمها ويأتمر بأوامرها، هذه القيادية الوطنية حمّلت ذلك الطرف بغمز لا لبس فيه مسؤوليته عن وقوع الانفجار - بإرادته أم بغير إرادته - بأن "أحد قياديي الطبقة المسيطرة" - حسب تعبيرها - تحدث منذ مدة مهدداً إسرائيل: "إن الأمر لا يتطلب سوى كم صاروخ من عندنا زائد حاويات الأمونيا في حيفا لتكون النتيجة بمفعول قنبلة نووية"!

وحتى إذا ما صحت – افتراضاً - جدلية تفسير الحادث الكارثي بنظرية المؤامرة الشيطانية لإسرائيل وأميركا، أو حتى مسؤولية الفساد في وقوعه؛ ففي الحالتين تتحمل الطبقة السياسية المتنفذة، وخصوصا طرفها الأقوى الميليشياوي المشار إليه، المسؤولية الكاملة لوقوع الانفجار الكارثي. وفي الفرضية الفسادية من الظلم بمكان تحميل إدارة عنبر في المرفأ، أو إدارة المستودعات فيه مسؤولية فساد طبقة سياسية في جهاز الدولة، ثم الاستئساد على الفاسدين الصغار بدلا من كبار الفاسدين الذين يتحملون كامل مسؤولية الانفجار، ولابد من تبني مطالب انتفاضة "المستضعفين" في أكتوبر الماضي والتي خذلها وتنكر لها ووقف ضدها من يحمل رسالتهم باسم "المقاومة الإسلامية"!.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية