العدد 4317
الأحد 09 أغسطس 2020
بيروت والملف العتيد
الأحد 09 أغسطس 2020

عندما فجعنا لبنان بكارثة مروعة بأي مقياس زلزالي، وأي تفجير نوعي، وأي دمار تاريخي، لم يمهلني الوقت للتفكر في الفاجعة كونها ألمًا موجعًا عميقًا في الصدر العربي الكبير، لم يمهلني الوقت نسخة من التنقيب عن آثار أزلناها، وميراث بنيناه، وإرث توارثناه، فالأب الرئيس في مجلسه العتيد وعلى مدار 4 عقود كان يركز على ضرورة أن يكون لدينا سياج منيع من الأمن والأمان، وكان سموه يشدد علينا في كل مجلس أن نكون يدًا واحدة، لا يقسمنا أحد، ولا يفتتنا مُغرض، ولا يشتتنا مخلوق.


وكنت مثل غيري في ذلك الزمان أؤمن بالكلام، وأعترف بالحكمة، وأخرج من المجلس متسائلًا عن الأمن والأمان، ما هو يا ترى ونحن نعيش أحلى أيامه، وأروع لياليه؟ ما هو يا أخوتنا في العروبة والعقيدة والمصير ذلك الذي يشدد عليه رئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان حفظه الله ورعاه في كل محفل، وكل مجلس، وكل منحى وكل مجال؟


وكنت أسال، وكانت أسئلتي شبه مشروعة؛ لأننا نعيش الأمن والأمان في بحريننا الغالية منذ نعومة أظافرنا، بيوتنا مفتوحة على بعضها البعض، وأبوابنا مشرعة في وجه الغريب قبل القريب، إحساسنا بوحدة الشعب والروح والمصير متجذرة فينا منذ أجداد الأجداد حتى يومنا هذا.


من هنا لم أشعر بأن الحاجة في بلادي البحرين ملحة لكي نعد العدة والعتاد حفاظًا على أمن لم يكن مستتبًا، وعلى أمان لم يكن له بيننا محلًا من الإعراب، لكن نظرة الرئيس الثاقبة، وبصيرته الحكيمة، جعلته يرى ما لم نكن نراه، فالأفق مشحون بالمتناقضات، بالأطماع والمهاترات، بالمكائد والمؤامرات، والأفق مرتبك للحد الذي يصعب معه رؤية المستقبل، وتحديد العدو بدقة، وتثبيت موقعه بدراية، الأفق ملتبس على الجميع، ومحتقن بما فيه الكفاية بحيث لا يمكن عند إطالة النظر إليه أن نرى التربص بعينه الحمراء، أو نبصر العدو بجيوشه ونعوشه، وعدته وعتاده، من هنا كان لابد أن نتوقع بأن الأمة القريبة قد يطالها فقدان الأمن والأمان، وأن العدو الخارجي بدأ في ارتداء عباءة عربية من أجل الدخول إلى بيوتنا المفتوحة تمامًا، وعقولنا المتفتحة كذلك، وقلوبنا البريئة من دون أدنى شك وهو مزود بكل مقومات النيل من أمتنا وأماننا، من ازدهارنا ونمائنا، من استقرارنا وخلوتنا بأنفسنا وأحبائنا.


كنا لا نعتقد أن العراق سوف يشهد ما شاهده من أسى وفرقة وانقسام وتشرذم، وكنا لا نتوقع ألا يبقى من سوريا غير دمشق، ومن ليبيا سوى شعب متناثر المشارب والمآرب والولاءات، ومن اليمن ذلك التخفي في سترة المحارب الذي لا يحارب، وأخيرًا في لبنان الذي تم اختطافه في لمح البصر من أعداد التنوير، وأبناء وحفاة “التغيير، وها نحن اليوم أمام كارثة عظمى في بيروت العظيمة، كارثة بحجم القيمة والقامة، التاريخ بصناعته الفذة، والقومية بروحها الفضفاضة، والعلم بوضعه الاستثنائي الخالد، نرى بيروت ونصفها مدمر، ونصفها الآخر فاقدًا للأمل ومجهولًا للمصير، نرى الأمن والأمان الذي طالما حدثنا عنه الرئيس القائد مفقودًا في رئة العرب المستنيرة، وممتدًا إلى جوار لا يؤمن بالضرورة أن الأمن والأمان هما صنوانا الأمم، وهما جناحاها المرفرفان على صواريها وروابيها وشعبها العظيم.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .