العدد 4352
الأحد 13 سبتمبر 2020
استثمار رأس المال الديني وإشهار سلاح التكفير
الأحد 13 سبتمبر 2020

في الوقت الذي يُظهر فيه قادة ومنظرو جماعات الإسلام السياسي بجناحيه السني والشيعي اختلافهم، ويعملون على شق الصف الإسلامي واقتسامه، ونبش قبور الفتن، وتأجيج الصراع والفرقة والاختلاف بين أتباع الطائفتين حول أمور وقضايا فرعية وجانبية، فإنهم لا يترددون في إظهار ما يجمعهم من تقاطع وتوافق وانسجام، واستعداد للتنسيق والتعاون فيما بينهم، واستثمار رأس المال الديني وتجنيده وتطويعه لخدمة أغراضهم ومصالحهم وأجنداتهم السياسية.

ولقد وقف بعض من الجماعات السياسية العربية في وجه ما أعلن عنه مؤخرًا من اتفاق بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل على تطبيع العلاقات فيما بينهما، فكان من بينهم أو في مقدمتهم قادة ومنظرو جماعات الإسلام السياسي، بشقيه السني والشيعي، الذين عارضوا ولم يرق لهم قرار الإمارات لتعارضه وتناقضه الصارخ مع أهدافهم ودوافعهم، فاستنفروا قواهم، ووجهوا سهامهم إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وعدد آخر من دول مجلس التعاون، وشهروا كالعادة سلاحهم المفضل، وهو “سلاح التكفير” الذي يحل ويجيز القتل حسب تفاسيرهم، وأسندوا مواقفهم إلى اجتهادات وفتاوى لا تتفق مع روح العصر والعقل، ولا مع أبرز قيم الإسلام الذي جعل عبارة “السلام عليكم” الشعار الذي يحيي به الناس بعضهم بعضًا، متناسين دعوة الخالق سبحانه وتعالى لرسوله الكريم، وللإنسانية من خلاله؛ للاستجابة لمبادرات السلام، والعمل على فض النزاعات والخلافات بالوسائل السلمية، عندما قال جلت قدرته في كتابه الكريم: “وإن جنحوا للسلم فأجنح لها وتوكل على الله” ولم يستثن أحدًا ممن يجنح للسلم من واجب الاستجابة له، بحيث أصبح هذا النداء الإلهي قاعدة بنيت عليها اليوم المواثيق الدولية المعنية بالأمن والسلم وحقوق الإنسان.

إن هؤلاء المنظرين يظهرون الإسلام ويصورونه بأنه دين كراهية وعداوة، وإنه يتقصد ويترصد طائفة من الناس بعينها، فمن أبرز الاجتهادات والفتاوى التي أطلقت مؤخرا قولهم: “إن الثقاة من علماء الإسلام أجمعوا على أنه لا يجوز، بل إنه كفر لا شك فيه، التوصل إلى صلح دائم مع اليهود”، (راجع محاضرة الدكتور عبدالله النفيسي على موقع اليوتيوب)، وبذلك فقد أصبحت كل الدول المتصالحة مع إسرائيل والتي لا تعاديها أو تحاربها  “دور كفر” يجوز أن تفرض عليها الأحكام التي تترتب على دور الكفر والحرب، بما في ذلك مصر حاضنة الأزهر الشريف والأردن، والآن الإمارات والبحرين اللتان ستخرجان من مجموعة بلدان الإسلام والإيمان. إن هذا المبدأ بالذات أصبح من المحركات التي تدور حوله كثير من أفكار التيارات المتطرفة.

ولا ندري كيف سيتم تطبيق هذه الفتوى على الشعب الفلسطيني المظلوم، الذي اضطر إلى سلوك المسار السلمي في جهاده نحو تحقيق حقوقه المشروعة، فوقع مع إسرائيل أو اليهود، حسب مفردات الجماعة، اتفاقية سلام، فهل أصبح الفلسطينيون كفرة بعد توقيع ياسر عرفات اتفاقية أوسلو للسلام مع رئيس وزراء إسرائيل وقتها إسحاق رابين في واشنطن في العام 1993 بحضور الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلنتون؟

ويا لازدواجية المعايير..! فقد سكت وتغاضى منظرو الإسلام السياسي، عمدًا وبسبق الإصرار والترصد، عن السلام والصلح القائم بين تركيا وإسرائيل، وإن مروا عليه، فهو مرور الكرام، بل إنهم دافعوا عنه وبرروه على أنه أنجز في عهد الكافر مصطفى أتاتورك، وتغافلوا عن الإشارة إلى أن أتاتورك كان قد أعطاهم عمره قبل أكثر من 82 عامًا، وأنهم قد تولوا السلطة في تركيا منذ العام 2002 من خلال “حزب العدالة والتنمية” برئاسة (أمير المؤمنين) رجب طيب أردوغان، الذي لم يحاول أن (يصحح الخطأ أو الجريمة) التي ارتكبها أتاتورك، بل إن حالة السلام والتعاون في عهده بين تركيا وإسرائيل قد توسعت وازدهرت وازدادت تشعبًا ورسوخًا، ففي عهده وصل حجم التبادل التجاري إلى ذروته، فبلغ 6 مليارات دولار في العام، ونشطت شركات البناء والإعمار التركية مثل شركة “يلماز” في بناء المجمعات والأبراج في تل أبيب، وصدرت تركيا ملايين الأطنان من الاسمنت التركي إلى إسرائيل لبناء المستوطنات التي شارك الآلاف من العمال الأتراك في بنائها، وتضاعف عدد السياح بين البلدين، وأصبحت هناك 12 رحلة طيران يوميًا بين اسطنبول وتل أبيب.

وفي عهد أردوغان توثق التعاون وقويت الروابط بين تركيا وإسرائيل في المجالات الأمنية والاستخباراتية والعسكرية، بحيث أصبحت تركيا ثاني أكبر مستورد للأسلحة الإسرائيلية بعد الهند، ووصلت العلاقات العسكرية بينهما إلى مستوى التحالف والتعاون الإستراتيجي كما وصفها المراقبون المختصون.

وضمن هذا الإطار يؤكد المراقبون أيضًا أن ما جعل أردوغان يستشيط غضبا عندما سمع عن نية الإمارات وإسرائيل إعلان تطبيع علاقتهما، لم يكن حرصه وغيرته على القضية الفلسطينية، وإنما كان نابعًا من إدراكه أن هذه الخطوة ستؤدي إلى إجهاض خطط وجهود تركيا الساعية والهادفة إلى إبرام اتفاق مع إسرائيل شبيه أو قريب من الاتفاق البحري الذي وقعته تركيا مع حكومة فايز السراج في ليبيا، والذي تحاول تركيا من ورائه توسيع حدودها البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط بما يوفر لها مزيدًا من المساحات البحرية التي تمكنها من تكثيف عملياتها الاستكشافية للنفط والغاز، إلى جانب رغبة تركيا المعروفة في التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا.

رجب طيب أردوغان الذي وقف مهددًا بسحب سفيره من أبوظبي؛ احتجاجًا على نية الإمارات إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، نسي أو تناسى كما يبدو أن بلاده تقيم علاقات دبلوماسية كاملة معها منذ أكثر من 71 عاما، منذ العام 1949، ونسي أنه وقف في العام 2004 ليتقلد “وسام الشجاعة” من منظمة المؤتمر اليهودي العالمي في حفل أقيم بتلك المناسبة في مدينة نيويورك، قال فيه: “أتقدم بجزيل الشكر لكل من منحني هذه الجائزة كوسام للتعاون بين الحكومة التركية والمؤسسات اليهودية”، وأضاف أن تركيا التى تحظى بعضوية حلف شمال الأطلسي، ستظل خلال حكومته واحدة من أوثق حلفاء إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، كما منحت “رابطة مكافحة التشهير اليهودية” أردوغان في نيويورك أيضًا في العام التالي جائزة “الشجاعة اليهودية”.

أردوغان أصبح الآن من بين أبرز قادة ومفكري الجماعات السياسية الإسلامية الذين يقومون بتحوير وتحريف بعض الحقائق والوقائع الإسلامية واستخدامها لخدمة أغراضهم وأهدافهم، ففي محاولتهم لتأكيد تحريم الصلح أو الاتفاق على السلام مع اليهود، لجأوا إلى التشكيك والطعن في المعاهدات التي أبرمها رسولنا الأكرم (عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام) مع يهود يثرب أو المدينة المنورة، فتفتقت قريحتهم بنظرية أخرى وهي “جواز عقد صلح مؤقت مع اليهود وتحريم الصلح الدائم معهم”، ذاكرين أن تلك المعاهدات كانت “معاهدات مؤقتة أو اتفاقيات هدنة” وهذه من أكبر المغالطات؛ إذ إنهم يدركون ويعرفون جيدًا أن أيًا من تلك المعاهدات لا تقع البتة ضمن تعريف اتفاقيات الهدنة، فالهدنة هي حالة وقف القتال أو كما تسمى اليوم “وقف إطلاق النار” يتم التوصل إليها بعد نشوب حرب بين طرفين ويرغبان في توقيفها لفترة يتفقان عليها، والرسول الأعظم عندما وقع تلك المعاهدات لم تكن بينه وبين يهود يثرب حرب.

أما من ناحية أنها كانت اتفاقات مؤقتة، فهذه مغالطة أكبر، حيث إن لفظ “مؤقتة” أو أي إشارة لهذا المعنى، لم ترد في أي نص من نصوصها، ثم إن الرسول الأعظم لم يوقعها وهو يضمر أو في نيته نقضها أو خرقها بعد حين، فهذه ليست من صفات أو خصال النبي الصادق الأمين.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .