العدد 3321
الجمعة 17 نوفمبر 2017
عيسى الدوسري
أجعل لك خلفاً تكن خير سلف
الخميس 17 أغسطس 2017

إن أي منصبٍ أو دورٍ نلعبه في هذا المجتمع تترتب عليه العديد من المسؤوليات العملية والوظيفية، فالبعض ينظر للمسؤولية على أنها مهام تترتب على المسوؤل تأديتها تجاه جهة العمل والبعض الآخر من يأخذها بنظرةٍ أكثر شمولية فينظر إليها على أنها أمانة ومسؤولية مجتمعية يجب أن تدار وتُسلّم بالطريقة المثلى,فتصاغ هذا المهام المترتبة على المسؤول ليحقق أهداف المؤسسة وغيرها من المسؤوليات المتعارف عليها. ولكن هل وضعنا نُصبَ أعيُننا مسؤولية أستخلاف الخبرات من ضمن هذه المسؤوليات؟؟ وهل هناك وعي تام بأهمية نقل الإرث العلمي والعملي الناتج عن هذه الخبرات المتراكمة  في العمل ونشر المعلومات التي من شأنها أن تساعد في تأسيس جيلٍ يخلف سابقه ؟؟

أيها الكرام: لابد لنا أن نعلم جيداً أن نقل الخبرات في العمل لا يعني أن المتعلم أو أن الجيل الصاعد سيكون مصدر تهديد لأصحاب الخبرات أو المناصب سواء بلفت الأنظار إليه أو الصعود إلى منصبهم كما يعتقد الكثيرون ,ومن المؤسف أيضاً أن يلجأ البعض إلى احتكار هذه الخبرات والمعلومات وكتمانها عن الآخرين بل ويجعلها كسلاحٍ لإبقاءهِ متميزاً في نظر المسؤوليين. ولا شك أن هذا من الجهل العميق حيث أن الأرزاق بيد الله وأن هذا الفعل يعتبر من الأنانية ويأثر سلباً على المؤسسة بل والمجتمع معاً.

ولو نظرنا إلى فائدة استخلاف الخبرات وصنع جيلٍ متمكن لوجدنا أن لهذا الأمر أهمية عظيمة من عده نواحي ولعل من ابرزها الناحيتين الدينية والمجتعية..

أما من ناحية الدين فسنجد العديد من الأحاديث وأقوال أهل العلم التي تأكد على أهمية ترسيخ حب الخير للمسلمين بل وكما نحبه لأنفسنا، وهو أيضاً من دلائل صفاءِ النفوس لأن نقل كل ما هو مفيد لغيرنا يُعد من مبادئ الأخوة في الإسلام, وأن كتمان العلم قد يحصل به ضرر على الأمة الإسلامية وربما تضطر إلى استقطاب غير المسلمين لسد الحوائج أوالشواغر والتي جاءت بسبب غفلةِ غافلٍ أو طمعِ طامعٍ، ولنتذكر دائماُ فضل المعلم على تلاميذه وهو أقرب مثال على أهميه هذا الدور.

 

ونظراُ لحالنا في هذا الزمان الذي تنافرت فيه القلوب ، وتتابعت فيه الفتن ، وانتشرت فيه أساليب الطمع والجشع وحب الذات ,كان لابد لنا أن نعي أهمية نشرنا للعلم بهدف منفعة الأمة ,ومن هنا نستهل حديثنا عن الأهمية الإجتماعية,فيعتبر الإستخلاف في جميع المجالات من أبرز عوامل التطوير وأستمرار هذه المهن والتي من شأنها رفعة الأمة ,أما على الجانب الشخصي فيحضى هذا الشخص بمكانة مجتمعية كبيرة ومحبة من زملائه بسبب إسهامه في خلق القادة والمساهمة في تطوير المجتمع .

والآن دعونا نتفكر في الاثرِ الذي سيتركه كل عامل وطالبٍ للعلم يجند نفسه ويبذل جهده في سبيل إيصال العلم والخير إلى البشرية، ولنستشعر الفرق الشاسع بينه وبين من هم يلعبون دور المحبطين والمحتكرين، وأستدل حديثي بحادثتين متناقضتين أحدثا فرقاً في حياتي.

أما الأولى فكانت عندما كنت طالباً في المدرسة وسمعت جملة على لسانِ أحد المدرسين حين قال أنا أعمل مدرس لهذا المقرر منذ أكثرِ من 5 سنوات ولازلت أجهل علومه وأهميته في الحياة..عندها أنتابني شعور بالخوف من أستكمال هذا المقرر ولكن ولله الحمد استكملته في هذه المرحلة بعد عناء وشقاء. وأما الثانية ففي المرحلة الجامعية حيث كان هذا المقرر أحد أهم متطلبات تخصصي الجامعي فكان لابد لي أن أتعمق في علومه، لكن هذه المرة أحببت هذا المقرر وأصحبت متميزاً فيه بفضل من الله ومن ثم دكتور المقرر الذي كان يشرح بشغف وحب, حينها أيقنت أن البعض منا قد يجهل أهمية دوره في المجتمع وأدركت الفرق بين من كان يعمل لأجل إتمام عمله وإخلاء مسؤولتيه أمام المسؤوليين وبين من يعمل من أجل إحداثِ فرقٍ في المجتمع وخلق جيلٍ تعول عليه الأمة ويحمل على عاتقة مسؤولية نشر العلم والعمل وتطبيقه باحترافية.

ومن تأمل ذلك أيقن أنه من الطبيعي أن يتمنى الإنسان ان يكون صاحب سمعةٍ طيبة ومحبوبة عند الكثيرين وأن يخلد اسمه من بين من عمروا الأرض بعلمهم وقد تطرق المؤلف الكبير (ستيفن آر كوفي) في كتاب العادات السبع عندما تكلم عن الرسالة الشخصية ومردودها النفسي وضربَ مثلا فإذا توفى الشخص في دولهم الغربية يقوم أحد المقربين منه بإلقاءِ خطابٍ يتحدث عن الفقيد وأهم ما قام به في حياته. فما اجمل أن يعجز الناس عن وصف محاسننا وان تبقى سيرتنا العملية والحياتية خالدة في أذهان الأجيال ,ولعل الدكتور عبدالرحمن السميط -رحمه الله- من أبرز الأمثلة المعاصرة من منظوري الشخصي.

فالعلم ,والمنصب والمهن هم رايات تتناقلها الأجيال على مر العصور لذا كان لزاماً علينا جميعاً أن نحرص على تسليم هذه الرايات لمن هم أحق بها من غيرهم , مبتعدين عن التحزب والتحيز وأن نحرص على عدم  إنتكاس هذه الرايات في محطاتنا العملية وأن نساهم في رفعة الوطن والأمة.

وختاماً فإن الأمم لا تنهض إلا بتوارث العلم، ولنا في حضارة الأندلس المسلمة سابقاً خير برهان. وكذلك في الدول المتقدمة هذا الزمان.

فدعونا نحيا بقلوبٍ صافية تزرع الخير لتحصد الأجيال ثمارها..


اِزْرَعْ جَمِيلًا وَلَوْ فِي غَـيْرِ مَـوْضِـعِـهِ  * *فَـلَا يَضِيعُ جَـمِيلٌ أَيْنَمَا زُرِعَـا

 

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات
captcha
التعليقات
موضوع مهم ..
منذ شهرين
موضوع جداً مهم أمانةً ، واحنه كشباب فعلاً نعاني من قدامى العاملين اللي محتكرين بعض الاشغال والمهام لهم خوفاً على منصبهم ومكانهم ...

2017 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية