العدد 3329
السبت 25 نوفمبر 2017
د.سعد الله المحمدي
تدوينُ الأفكار والخواطر
الإثنين 30 أكتوبر 2017

مِنَ الأفضلِ أن يحترمَ الإنسانُ أفكارَه الإيجابيّة.. ومنَ الأجملِ أن يخطّط لتحقيق تلْك الأفكار.. ومنْ تمامِ العَقْل أن ينْجزها في ضوءِ خُطّة مدروسةٍ؛ وبهمّة عالية.. وعزمٍ وصُمود.. ودون تردّدٍ أوخَوْفٍ:

إذا كنتَ ذا رأيٍ فكنْ ذا عزيمةٍ* فإنّ فسادَ الرأي أنْ تتردا

ومن المعلوم أن فكرَ الإنسانِ بمثابةِ جُزءٍ مِنْ شَخْصِيّته وتكوينه، فالفكرُ والذّوقُ يمثّلان الإنسان، ويُعبّران عن مكنونه وخواطره وما يحملُه في القلب والعقلِ منْ خلجاتٍ ومشاريعَ وأفكار وعواطف، وكرامةُ الإنسانِ تكمنُ في فِكرهِ كما يقولُ الفيلسوفُ الفرنسي (باسكال).

والأفكارُ بمثابة الطّيور المهاجرة تجوبُ العُقول والقُلوب.. وتنْتقلُ من مكانٍ إلى مكانٍ، ومنْ شخصٍ لآخر دون أيّة قيودٍ أوحواجز، ولكنْ قَلَّ منْ يصطادُ تلك الطيور ويعملُ لها شِراكا، بل الكثيرونَ يودّعون أفكارَهم ومشاريعَهم دُونَ أن يُعيدوا عليها نظرةً أو يُلقوا لها بالا، والآخرونَ تمرّ عليهم الأفكارُ الجميلة والمشاريع المفيدةُ مرور الكرام دون أن تجدَ عنْدهم قلبًا واعيا.. أو أذنا سامعةً.. أو قلَمًا يُسجلّ تلك الأفكار حتى يستفيدَ منْها الآخرون إنْ لم يتمكنّ صاحبها من الاستفادة منْها في حياته، وبالتالي تموتُ أفكاره بموته وتحُفر معه في حفرةٍ لاتتَجاوز عن ستّة أقدامٍ في الغالب.

والأفكارُ الإيجابيّة- يا أحبتي- نعمةٌ ربّانية ومنْحة إلهية ونفحةٌ من الإلهام، ومن الأجدر بالإنسان تسجيلَها على الورق لا على الرّمال والماء، ومن ثم إثراءها والعملَ على تحقيقها والاستفادة منها في الحياة العلمية والعملية بحول الله تعالى، قال أمير الشعراء أحمد شوقي:

قِفْ دُون رأيكَ في الحياةِ مُجاهدا* إن الحياةَ عقيدةٌ وجهادُ

ولا أخفي على القارئ الكريم أن الإنسان يَسْعد عندما يرى فكرهُ يتحقّقُ على أرض الواقع، أو يرى كتابه يري النور، أو يمنحُ فرصة من وقته لفكرةٍ سجّلها منذ زمن فيضيفُ إليها ويهذّبها ويترتّبها ويعيدُ النظر عليها من جديد فيعدّل فيها ويعمل على تحقيقها بجدّ وجهْد وشغف وحبّ.

ويجب أن لانغتّر بالمقولة الشائعة والشهيرة التي تقول:"ماترك الأوّل للأخر شيئا" حيث يُعنى بذلك أنّ الأولين لم يتركوا لنا شيئا من الأفكار والمشاريع.. والخُطط والعلوم. فهذه المقولة في الحقيقة حجر عثرةٍ في وجه الإبداع والتميّز، ودعوةٌ واضحة إلى الخمول والدّعة.. وتوقّفٌ لعجلة الفكر والبحث؛ وذلك لأن لكلّ عصرٍ حديثُه.. ولكل زمنٍ رجالُه.. ولكلّ فترةٍ أعلامُها.. ولكلّ مشروعٍ ناجح كوادره، ولكلّ شخصٍ ذوقُه وأسلوبه ومنْهجه في العرض والتحليل والاستنتاج، فكمّا أن الذوق يختلفُ من شخصٍ لآخر والثمارَ تختلفُ من شجرةٍ لأخرى كذلك الأفكار والمشاريع والخطط والابتكارات والمواهب تتنّوع بين الناس في مختلف العصور والأمصار، وتُكتشف عَنْها كالمعادن الثّمنية بين فترةٍ وأخرى.

إن الأفكار تهرب وتتفلت من الإنسان كما تنفر بعض الخيول في ساحات السباق من فوارسها، لذلك لابدّ من تعاهدها ومراجعتها وقيدها بقيود الكتابة و حبال المراجعة باستمرار حتى تترسخ في العقل الباطن وتعمل نفسك على تحقيقها على أرض الواقع وأنت مرتحال البال منْشرح الصدر محبّا للمشروع وباذلا للنّفسِ والمال فيه.. و قيل :"قيّدْ صُيودكَ بالحبال الواثقة".

شمعة أخيرة: قارنْ رأيك دائمًا ومشاريعَك برأي غيرك.. واستشرْ الآخرين من أهل الرأي والفكر والاختصاصِ، فلربما تتبلور لك فكرة جديدة.. وجديرة بالاهتمام والعناية وبذل الوقت فيه.. قال الأرجاني:

إقرنْ برأيك رأي غيرك واستشرْ* فالحقُّ لايخفى على الإثنين

للمـــــــرْءِ مــرآة تُريـــــــه وجْهَـــــــــــــــــــه* ويرى قفــــــــــاه بجَمْــــــــــــعِ مِــرآتين

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات
captcha

2017 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية