العدد 3329
السبت 25 نوفمبر 2017
سلطان السجان
الأدب والسياسة... الزواج التكاملي
الأحد 12 نوفمبر 2017

قد أُتهم بالجهالة عندما أَدعي أن الأدب والسياسة هما الوالدان الشرعيان لباقي العلوم كعلم الإقتصاد والفيزياء والإجتماع وغيرهم وأنهم جميعاً عالة على هذين المجالين. لأباس بأن يُنتقدَ نقدي ولكن من خلال أحرف وكلمات وجمل الأسطر التالية سوف أفند هذا الإدعاء ببراهين وقرائن منطقية وإستشهادات تاريخية لأثبت أن هذا الإدعاء حقيقة وليس إفتراض نظري أو من خيال حالم.

سأبدأ طرحي بشرح المفاهيم الكلية لمعنى الأدب والسياسة ثم أنتقل الى لب الموضوع فالحلم والسموحة أرجوها منكم. إن أول تعريف قرأته عن الأدب ومازال ذلك التعريف محفور على الجانب الأيمن في رأسي هو تعريف الكاتب القدير رحمه الله تعالى الأستاذ أحمد محمد جمال، ألا وهو أن الأدب "عبارة عن فكر إنساني". أما المفهوم الضمني للسياسة فهو حماية المصالح أو توسيعها بأي طريقة كانت. عذراً لمن خالفني بهذا التعريف ولكن هذه الحقيقة إن صُدقت أو كُذبت فسوف تبقى واقع ملموس فوق أرضنا وتحت سمائنا. ومما سبق يستفاد أن هذين الزوجين من بيئتين مختلفتين كل الأختلاف ولا توجد أي صفات مشتركة بينهما فالأدب علم يتناول العقل بطريقة التفكير خارج الصندوق أم السياسة فيتناوله في التركيز على محتويات الصندوق ومحاولة حمايتها أو حتى تكبير أو تحجيم الصندوق. وهذه هي ميزة القوة في هذا الزواج التكاملي وليس كعنصر ضعف فيه.

ما أؤمن به كليا أن الحاكم كالعقل والشعب له كالجسد. فالحاكم يتحكم بتوجيه الجسد وبأسلوب تفاعله مع المحيط الخارجي له. ولكن ما أؤمن به أيضا ان الأدباء هم قلب هذا الجسد وضميره الحي أو الميت وأن علماء الدين هم روح هذا الجسد فإن هم فاضوا من هذا الجسد فقد أصبح حاله كالميت أو كحال الأنعام بل أضل. يا سادة، هذا بإختصار تشبيه مجازي بسيط وهو حال كل الأمم وأترك لكم حرية التبصير والبصيرة في هذه المسألة والتي قد يعتبرها البعض بأنها ذات أسلوب السهل الممتنع وكحال بني إسرائيل في التيه.

العجيب في هذا الزواج التكاملي أنه توجد علاقة طردية بين هذين الزوجين وعلاقة عكسية ( أنا ككاتب أعترف أن عقلي قد عجز في أن يجيز تلك العلاقتين ولكن سأطرحها في هذه المقالة بطريقة منطقية لعلي أصيب تلك الدائرة الصغيرة الصفراء عندما أرمي بسهامي أمامكم). عندما يرتقي الأدب فإن السياسة ترتقي تبعاً وعندما تدنو الأدب كـ (أدنى الأرض) فإن السياسة ستدنو أبعد من دناءة الدنئ المتدني. تلكم يا معشر العقلاء هي العلاقة الطردية بإختصار. ما قلته في الجملة السابقة بأمر ليس بعجيب ولا بمستغرب ولكن إذا أردتم العجيب والمستغرب بل المدهش في هذا الشأن هو أنه عندما تتلوث السياسة بلوث الحضيض وفي تلك اللحظة فقط ينشأ أدب جديد يرتقي باللغة والفكر الإنساني وإعادة تقييم مفاهيم الحياة ويصعد وربما تكون السياسة في تلك اللحظة انتقلت الى حضيض قد سفله سلفه، وما شكسبير عنكم ببعيد عندما أرتقى بإنجلترا وبلغتها وأستطاع أن يضيف ألفي كلمة في معاجم وقواميس اللغة الإنجليزية وفي تلك الفترة كان أنجلترا تعيش الأيام الأخيرة للأنظمة الإقطاعية ومحاولة كسر قيود السلطات البابوية. تلكم يا أعزائي هي العلاقة العكسية بإيجاز.

والأن دعوني أفيدوكم بالبراهين وأسرد لكم من التاريخ السرد وأستعرض لكم جنباته عرضا و طولاً وأسال الله الصحة في الحجة والإصابة فيما أخبر به من شهادة. لقد حدثنا التاريخ بأن الأمة الأسلامية قد مرت بثلاث مراحل بعد النبوة والخلافة الراشدة ونحن نعيش الرابعة. فالدولة الأموية والدولة العباسية والدولة العثمانية قد عاشوا مراحل الأمم الثلاث: الصعود ثم الذروة ثم الهبوط. وقد صوت المؤرخون بالأغلبية العظمى بأن الذروة في كل أمة من تلك الأمم الثلاث قد أصابت الخلفاء الثالث العِظام "الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان والخليفة العباسي المأمون والخليفة العثماني سليمان القانوني" وما الفضل من بعد الله تعالى إلا بسبب إمتلاكهم ملكتي الأدب والسياسة وقدراتهم المدهشة في هذين المجالين، طبعا يستثنى من ذلك الخليفة الأموي عمر بن العزيز لأنه أستطاع أن يجمع بين ثلاث ملكات: الأدب والدين والسياسة. لقد أستطاعت تلك الدول أن تبلغ أوجها في الإستقرار السياسي و كذلك في جميع المجالات سواء كان في علوم الغايات أم علوم الآلات في حياة هؤلاء العظماء الثالث. فالمستظرف من خبر عرار بن عمرو بن شاس مع عبدالملك بن مروان ما هي إلا قصة أدبية قائمة بحد ذاتها. أم المأمون فقد جمع بين العقل والقلب وأبعد الروح "علماء الدين". وبه دُعمت المواهب مثل الجاحظ حتى أصبح صرح شامخ يرى من أقاصي الأرض وربما من القمر كما نستطيع أن نرى سور الصين العظيم من الفضاء. ولكن بسبب إقصاءه روح الجسد " وما زلت أقصد به علماء الدين و هذه إحدى المسلمات لدى وقد ذكرتها لسعادتكم أنفاً" أتى بعده المعتصم بالله والذي لم يكن له من الأدب لا ناقة ولا جمل ولا حتى صوص وهنا بدأت مرحلة الهبوط للدولة العباسية. أما الخليفة سليمان القانون فأمدحه كما تشاء في السياسة وفي فن الإدارة ولكن أرجو أن لا تنسى أدبياته ويكفيه هنا قصيدته الشعرية "مُحبّي". هنا وهنا فقط أقف عن سرد الأدلة والبراهين في بيان أن الأدب والسياسة تربطها علاقة طردية.

إن الثالوث المنهجي في الفلسفة الشرقية هو العرفان والبيان والبرهان. وقد أستطاع كثير من الأدباء دعم أفكارهم وعقائدهم عبر إنتهاج البيان بعد أن حطموا أصنام العرفان بكل سهولة ولكنهم لم يستطيعوا أن يستثمروا في البرهان كطريق صلب يسلكوه. وسأذكر هنا رجلين عظيمين لهما آثار ومناقب في الأمة عظيمة. فالدافع عندهم عظيم وكلاهما قد أُوتي من الفصاحة والخطابة و الأدب والخلق القدر الجليل ولكن العنصر الأساسي قد كان الغائب الحاضر في منهجهما ألا وهو "المصدر". فالرجلان سلكا جادة الحق بالمركب الغير مناسب لهذه الجادة. هذين الرجلين هما أبوالحسن الأشعري و سيد قطب ورحم الله جميع من ذكرتهم في مقالتي هذه. قد يختلف معي الكثير والكثير ولكني أرجو أن يكون لي ميدان ثاني كي أوضح للمناهضين لي براهيني وأدلتي. هذه المقالة لن تقلل من قدرهما إلا كمن يَغُّزُ صاحبه بإبرة ولا يتأثر صاحبه كثيرا بوخزها. كِلاَ الرجلين نَشأ وعَاشا في زمن ضعف وهون لهذه الأمة. فالأول كان في زمن سيطرة الحرس الترك على الخلفاء حتى أن الحرس الترك هم الذين يخلعون ويُعَينُونَ الخليفة كما تشتهيه أهوائهم. أما الثاني، فقد أتى في زمن إنحطاط شديد لهذه الأمة حتى ظن المسلمون أنه لن تقوم قائمة لها إلا بعودة المهدي. لقد  صُنفت حياة أبوالحسن الأشعري  الى ثلاث مراحل بدأها بالإعتزال ثم منهجه الذي أنتشر ثم العودة الى المركب المناسب في تلك الجادة والناس ولظروف وأهداف معينه أستعانوا بمرحلته الثانية وتركوا الأخيرة. أما سيد قطب ورغم أنه حافظ للقرآن الكريم إلا أنه كان متأثراً بعباس العقاد ثم بالأدب الإسلامي و لم يستقي في أفكاره وفي كتابه "في ظلال القرآن" من الأصوليين ومن كتبهم.

أما أريد أن أقوله هنا، إن دور الأدباء هو تقييم وتقويم فكر الأمة في حالة الرخاء والإستقرار السياسي وفي حالة الوهن يجب عليهم إرجاعهم الي الأساسات من أجل عملية إعادة بناء فكر الأمة الصحيح وأريد أن أستشهد هنا بعاقل الأدباء خلال القرنيين السابقين وهو الشيخ على الطنطاوي رحمه الله. إن نوعية الزواج بين الأدب والسياسة هو نوع تكاملي وليسا بمكمل فوجود علاقة عكسية وعلاقة طردية تجعل الأمور معقدة بينهما ولا يستطيع أي شخص أن يحل أي معضلة بينهما إلا عن طريق استوعبهما. وتحياتي.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات
captcha

2017 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية