العدد 3629
الجمعة 21 سبتمبر 2018
محمد الواعظ
احتفاء أم رثاء
الإثنين 01 يناير 2018

لغتنا العربية لا يستوجب أن نحتفي بها في مناسبة خاصة جريا للعادة وتبعا للتقاليد، فما هذا إلا برهان قاطع على شحها التي تفتقر إليها الهوية العربية وإن كانت حية، ولم يدركها فناء الدهر بالحداثة والتغيير.

إن اقتضى لنا في هذا اليوم الاستثنائي لزوم التقيد بالحديث عن مكانة اللغة العربية ومآثرها، فما شأن سائر الأيام الجارية وما تحملها من المناسبات التي استحدثتها المنظمات الخارجية؟ أنتناسى لغتنا وتنجاهلها نفورا واستكبارًا؟ أم نحجبها خلف لسان معتل بلغة غريبة سوقية لا تزيده سوى نكرانا وإذلالاً؟

لو باتت لغة الضاد تجري حية على كل لسان عربي، تتقلد مكانة مشرفة في مجتمعاتنا كافة، لها كل الأولوية والاعتبار في سائر الأحاديث العامة، لكنا في غنى عن إطلاق المناسبات الدعائية القائمة على المظاهر، فلا تسبغ على اللغى الفصحة سوى حِلل المشاعر والأقوال العاطفية، كما تسبغ الوصيفات على العروس الجواهر والزين الباذخة في ليلة زفافها ثم تساق تاليا إلى بيت الزوجية، ولن يحفل بأمرها وبمصيرها بعد ذلك أحدا.

وهذا ما يحملني أن أتساءل حانقا.. لم لا نشهد مناسبات شبيهة تحاكي اليوم العالمي للغة العربية تحتفي بها مجتمعاتها الأجنبية؟ أليست لكل لغة مستقلة اعتبارها وكيانها التام لدى شعوبها الحرة؟

وخلاصة الإجابة تكمن أساسا في عدم حاجة تلك الشعوب إطلاقا لخلق مناسبة محددة معنية بلغاتها القومية، طالما أن أفرادها متمسكون باعتزاز وشرف إلى حد التعصب بعماد هويتهم الأصيلة المتمثل في لغتهم المتداولة بين أفراد الشعب الواحد.

ولا تحدوني الرغبة للإسهاب حول مكانة لغة القرآن وإجلالها، فحسبنا فخرا وشرفا أن أنزل الله بها كتابه، واختار الرسول محمد العربي الأمين خاتم الأنبياء والمرسلين. ولا يكفينا اعتزازًا أن أضحت فيما سلف عظيمة الشأن، شامخة المقام في العهود الغابرة بين سائر الأمم، إذ مثلت سر عراقة الحضارة العربية وحتى الإسلامية، وكما تروي شواهد التاريخ أمست اللغة العربية غاية جوهرية ملحة لدى طلاب المعرفة من المجتمعات غير العربية، يتسابق إليها أولئك دون توانٍ لنيل شرف تعلمها وإتقان التحدث بها، فضلاً عن التفاخر بها بين أقرانهم كما هو حاصل اليوم لمن يتشدق ويتملق باتخاذ لغة غريبة بديلاً عن لغته الأم، وليته صنع لنفسه المجد وبلغ حد المكانة لدى الشعوب الأخرى.

فإلى أن تعود للغة العربية كيانها السامي، ومجدها الزاهر بعد أن تتضافر كافة الجهود القائمة على الوزارات والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام بكافة أجناسها، والقطاعات المحلية والاجتماعية في إحياء لغة الضاد، لن نضطر حسرة  وأسى للرثاء بها في يومها العالمي.   

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية