العدد 3653
الإثنين 15 أكتوبر 2018
د.سعد الله المحمدي
الهمّ والحـــزن.. الضيفان الثقيلان
الأحد 20 مايو 2018

كثُرت الدّراساتُ والبحوثُ.. والأدويةُ والتّحاليل.. وتدريبات البرمجة اللغوية العصبيّة.. وتنوّعت الآراء والنظرياتُ.. والأفكارُ والمعتقداتُ.. والأخذ والرّدُ حوْل كابوسٍ يهّددُ الإنسانَ.. ويطاردُه بشكلٍ عام.. إنّــه طيفُ الهــمّ والحزن.. وشبَح القَلق والضّيق والاكتئاب الذي يُعاني منه شريحةٌ كبيرةٌ من الناس.. المثّقفين ورجال الشارع.. والأغنياء والفقراء.. وحتّى المسلمين وغيرهم من قديم الزمان، وذلك لسببٍ أو آخر ولكنّ "أشدّ الناس كآبة منْ لايعرفُ سببَ كآبته" كما يقولُ الشاعرُ والكاتب اللبناني جبران خليل جبران.

ولقد بلغَ من خطورة الهمِّ والحزن على حياة الإنسان، وأَمْنه الفِكري واستقرارِه النفسي - أنِ استعاذَ نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم منهما ومِنْ أمثالهما؛ حيثُ كان صلى الله عليه وسلم يُكثِّر في دعائه من قول:

"اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ منَ الهمِّ والحزنِ والعَجْزِ والكسَلِ والبُخلِ والجبنِ وضَلَعِ الدَّينِ وغَلبةِ الرِّجال" البخاري: 6363

فما الهمّ والحزن؟ وما خطورتهما على حياةِ الإنسان وفكْره وعطائِه؟ و ماهي الأضرار النفسية المترتبة لهما على شخصيّة الإنسان ومجتمعه؟ وهل هناك تدابير واقية وحصونٌ منيعة تحمي المسلم من جُنود الهمّ والحزن؟ هذا وغيره مما سنجيب عليه في الأسطر القادمة بإذن الله تعالى.

الهمّ مفرد.. وجَمعه همومٌ.. يُطلق على المكروه الذي يخافُ منه الإنسان مستقبلا..كضياع الوظيفة أو المنْصب.. ونزول المصيبة والمرض.. أو الخوف منْ فقْدِ الأحبّة والمالِ والجاه وغير ذلك.. أو عدم النّجاحِ في مهمّة وعملٍ.. أومقابلةٍ وغير ذلك، وكلما ازداد التفكير السلبي وأشغلَ بالَ الإنسان، وأرقّ فِكْره، كلّمَا وثبتْ جنودُ الهمّ والغمّ إلى عَقْله وفِكْره بقوّةٍ، يقولُ البحتري:

خَفِّضْ عَلَيكَ من الهُمُومِ، فإنّما*يَحظَى برَاحَةِ دَهْرِهِ مَنْ خَفّضَا

أما الحُزْنُ والحزَنُ فمادتهما واحدة ومعناهما متقارب، وهو نقيض الفرح والسرور كما يقولُ صاحب اللّسان، والفرقُ بينهما أن الحَزن بفتْح الزاي: هو الأسى والهمّ والاستياءُ والاكتئابُ الدائم والمستمرّ مع الإنسان، أماّ الحُزْنُ بضم الحاء وسكون الزاي فهو حالة مؤقتة من الغمّ والكآبة باطناً يترجم عنها الظاهر في الغالب، وهو سببٌ رئيسيٌ للقلقِ والاضْطراب، وربّما يمحو حزنٌ حزنا آخر كما يقول الشاعر:

وإني رأيتُ الحُزن للحُزنِ مَاحِياً * كمَا خطّ في القِرطاسِ سطرٌ على سَطْرِ

ويفرّق الإمام ابن القيم رحمه الله بين الهمّ والحزن والغمّ فيقول:" المكروه الوارد على القلب: إن كانَ منْ أمرٍ ماضٍ، أحدثَ الحزَن، وإن كانَ منْ مستقبل؛ أحدثَ الهمّ، وإن كانَ منْ أمرٍ حاضرٍ؛ أحدثَ الغمّ. (فوائد الفوائد، ابن القيم، ص:60)

والهمّ والحُزن من الأشياء التي تهدم صحّة الإنسان، وتسبّبُ الاكتئاب والقَلق، وهما مِنْ أهم ّ أسباب الانتحار في العالم حيثُ تشيرُ أرقام وإحصائيات منظمّة الصّحة العالميّة إلى أرقامٍ مُخيفة، إذ يموتُ نحو 800 ألف شخصٍ منتحراً كلّ عامٍ، أي بمعدّل شخص واحدٍ كلّ 40 ثانية!!

وَالهَمُّ يَخْتَرِمُ الجَسيمَ نَحَافَةً* وَيُشيبُ نَاصِيَةَ الصّبيّ وَيُهرِمُ

وتقولُ التّقارير إنّ أكثر من 4 %من سكّان العالم، يعانون الاكتئاب، وأن 322 مليون شخص عانوا من اضطرابات مرتبطة بالاكتئاب في 2015م، وإنّ الخسائر الاقتصادية الناتجة من القَلقِ والهمّ  والحزن والملل على مستوى العالم تتجاوز تريليون دولار سنويًا في إشارة إلى الخمول وفقدان الإنتاجية وعدم الشعور بالسعادة والأمان لدى الشّخص المصاب بالهمّ والحزن.. يقولُ المثلُ الصيني: إنّكَ لا تستطيعُ أن تمنعَ طيور الحزن من أن تحلّق فوق رأسك، ولكنّك تستطيعُ أن تمنعها من أن تعشّش في شعرك، ويقولُ المتنبي:

ألحُزْنُ يُقْلِقُ وَالتَجَمُّلُ يَرْدَعُ* وَالدّمْعُ بَيْنَهُمَا عَصِيٌّ طَيِّعُ

ومن أهمّ أسباب الهمّ والحزن التي لن يذكرها التقارير الدولية ولن تشير إليها إلا ماندر، هي : قطعُ صلة العبد بالله تعالى، والإعراض عن ذكره تعالى، يقول الله تعالى:" وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ " طه: 124

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآية الكريمة: أي منْ خالفَ أمري، وما أنزلتُه على رسولي، فأعرضَ عنه وتناساهُ وأخذَ من غيره هُداه فإنّ لهُ معيشةً ضنْكا في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدْره، بل صدرُه  ضيّقٌ حرج لضلاله، وإن تنعّمَ ظاهره، ولبسَ ما شاء وأكلَ ما شاءَ، وسكنَ حيث شاء، فإنّ قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلقٍ وحيرةٍ وشكٍّ، وهذا من ضنك المعيشة وشقائها.

أما  المؤمن بالله تعالى، المتعلّق قلبه بالله دون سواه، المتابع لكتاب الله وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم، والمنقاد لأحكامه، فإن الله تعالى يحييه حياةً طيبةً التي تشملُ جميع وجوهَ الرّاحة والاطمئنان والسّعادة وانشراح البال وسُكون النّفسِ، مِصْداقا لقوله تعالى:"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً  وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  النحل: 97

ومنْ هنا فإنّ انْشراحَ الصّدر للإسْلام..واطمئنانُه إلى الإيمان.. ومبادرته للخير ومرضاة الرحمن.. دليلٌ على هداية الله لعبده، وتوفيقه لأقوم الطرق وأحسنه، وإن ضيق الصّدر عن الإيمان والعلم والطاعات.. وانغماسه في المحرّمات من الشُبْهاتِ والشّهَوات.. وامتناعه من المبادرة إلى الخيراتِ والصّالحات.. دليلٌ على البُعدِ عن الله تعالى.. وسببٌ للهلاك والموبقات. قال تعالى:" فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ" الأنعام: 125.

 

وهناك أمور وأسباب أوردَها الإسلامُ لتخفيف موجة الهمّ والحزن ومقاومة جنودهما ومن ذلك:

1-الرضا بقضاء الله تعالى وقدره والصبر على كل ما يُسبّبُ الهمّ والحزن: فكلّ شيءٍ قضاءٌ وقدرٌ، والمؤمنُ يوكّل الأمور إلى الله تعالى، ويرضى بما قضى الله تعالى، لأنّ أمره كلّه خير إنْ إصابتْهُ سراء شكرَ فكانَ خيرا لهُ وإن أصابتْه ضرّاء صبرَ فكانَ خيرا له، يقولُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم: "ما مِنْ شيءٍ يُصيبُ المؤمن من نَصَبٍ، ولا حَزَنٍ ولا وصَبٍ حتى الهَمَّ يَهُمُّهُ إلَّا يُكفِّرُ اللهُ بهِ عنهُ من سَيئاتِهِ" صحيح الجامع: 69678

2-التوسّلُ إلى الله تعالى بأسمائهِ الحُسنى وصفاته العلى، وكثرةُ التضّرعُ إليه، فهو منْ أحبّ الوسائل إليه، كما وردَ في الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود رضي الله أنّ النّبي صلى الله عليه وسلّم قال:"ما قالَ عبدٌ قطُّ إذا أصابَه هَمٌّ أو حُزْنٌ:

 "اللَّهمَّ إنِّي عبدُكَ ابنُ عبدِكَ ابنُ أَمَتِكَ ناصِيَتي بيدِكَ ماضٍ فيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فيَّ قضاؤُكَ أسأَلُكَ بكلِّ اسمٍ هو لكَ سمَّيْتَ به نفسَكَ أو أنزَلْتَه في كتابِكَ أو علَّمْتَه أحَدًا مِن خَلْقِكَ أوِ استأثَرْتَ به فيعِلمِ الغيبِ عندَكَ أنْ تجعَلَ القُرآنَ ربيعَ قلبي ونورَ بصَري وجِلاءَ حُزْني وذَهابَ همِّي إلَّا أذهَب اللهُ همَّه وأبدَله مكانَ حُزْنِه فرَحًا" صحيح ابن حبان: 972

يقولُ الإمامُ ابن القيم رحمه الله:" ولما كانَ الحزن والهمّ يُضاد حياة القلب واستنارته، سألَ أن يكونَ ذهابها بالقرآن؛ فإنّها أحرى أنْ لاتعود، وأمّا إذا ذهبتْ بغير القرآن، مِنْ صِحّةٍ، أو دنيا، أو جاهٍ، أو زوجةٍ، أو ولدٍ، فإنهّا تعودُ بذهابِ ذلك.
(الفوائد: ابن القيم ص: 60)

3-العودة إلى الله تعالى والإقلاعُ عن المعاصي بالتّوبةِ الصّادقةِ، فهو الكاشفُ لكلّ كُربةٍ، النّافعُ الضّارُ، وبيده مفاتيح الفرج، وعنْدهُ خزائن كلّ شيء، وكلتا يديه يمينٌ، ولافارج للهمّ والكرب إلاهوَ.. فلاتبحثْ عبَثا  على أبواب الآخرين، والله أقرب إلينَا من حبل الوريد.

4-كثرة ذكر الله تعالى، فإنه بلسم للقلب والروح، وسبب للطمأنينة والاستقرار، ومفتاح عظيم من مفاتيح الفرج بإذن الله تعالى، قال تعالى:" أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" الرعد:28

شمعة أخيرة:

 اعلم أن الحزن والهمّ.. والفرح والسرور.. والنعيم والبؤس.. والسعادة والشقاء لاتدومان على الإنْسان، ولذا لابدّ من تسلية النّفسِ وتقويمها على الرضا بقضاء الله تعالى وقدره، والتعوذ بالله تعالى منها، يقولُ رجلٌ من قريش:

تَسَلَّ عَنِ الْهُمُومِ فَلَيْسَ شَيْءٌ*يُقِيمُ وَمَا هُمُومُكَ بِالْمُقِيمَةْ

 لَعَـــــلَّ اللَّهَ يَنْظُـــــــرُ بَعْــــدَ هَـــذَا *إِلَيْــــكَ بِنَظْرَةٍ مِنْــــــــــهُ رَحِيمَـــــــةْ .

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية