العدد 3598
الثلاثاء 21 أغسطس 2018
د.سعد الله المحمدي
كيفَ عالجَ الإسْلامُ الهَــمّ وضِيْق الصّدْر؟
الإثنين 06 أغسطس 2018

لاحظتُ خلال وجودي في أوروبا أنّ الحياة المادية تسيرُ بسرعةٍ جنونية بشكلٍ عام؛ لدرجة أنّها غطّتْ على مُعظم الجوانبِ الأخرى، أو الوُجوهِ الأخرى للحياة الاجتماعية والدينية وغيرها؛ فأصبحَ الإنسان يُسابق البرق في السّرعة بحثًا عن الرّزق، ويشتغلُ كالروبوت أوالإنسان الآلي طلبا للدّنيا، يعيشُ على نمطٍ واحدٍ ووتيرةٍ معيّنة ربما لاتتغيّرُ لعشرات السّنين.. ينامُ في الوقتِ المحدّدِ.. ويستيقظُ على الوقت المحدّدِ.. ويعتقدُ أنّ العملَ أساسُ الحياة ولُبّها وشُغلها الشّاغل.. بلْ يعلّق سَعادته على أشياءٍ ماديّة محسوسةٍ فقط، دون أنْ يجدَ متنفّسا يجدّد حيَاته.. ويستعيد حيويّته ونشاطه من جديد.. ويضيفُ إليها نكهةً جديدة، ونوعًا من السّعادة القلبية، والاستقرار الروحي، وكسر الروتين من خلال الأعمال الصالحة كالصوم، والصلاة، وقيام الليل، وأداء مناسك العمرة مثلا، وبالتالي تنتشر المشاكل النفسيّة.. والعُقد الروحيّة.. والتوتر والقلق واضطراب الشخصية، والملل والإدمان عند الكثيرين إلا من رحم الله، ومردّها الأساسي الانفصالُ عنِ الله تعالى، والاغترار بالحياة المادية فقط، ممّا يؤثر سلبا على صحّة الإنسان وتفكيره وعقله وحياته الشخصية والاجتماعية.

ولايمرّ يوم من الأيام إلا تَعْرضُ شركات صناعة الدواء منتجاتها الجديدة لعلاج القلق والإكئتاب المنتشر في مختلف فئات المجتمع في العَالم ، حيثُ لايقف المرضُ عنْد شخصٍ دون آخر، ولا يصيبُ أحدا دُون غيره.

وقد علّمنا الإسلام كيفَ نُعالج القلق والتّوتر وضِيْق الصّدْر، وذلك بالرّجُوعِ إلى الله تعالى، والإكثار من ذِكْرهِ وتسبيحه سبحانه وتعالى، واستخدام التحصيناتِ الإيمانيّة التي تعصمُ الإنسانَ من الأفكار السّلبيّةِ ووساوسِ الشّيطان ومداخله.. قال تعالى:" وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ*فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ " الحجر: 97-99

قال ابن كثير رحمه الله: وإنا لنعلم يا محمد أنّكَ يحصلُ لكَ مِنْ أذَاهم انقباضٌ وضيقُ صدرٍ ، فلا يهيدنّك ذلك ، ولا يثْنِينّك عن إبلاغِكَ رسالةَ الله، وتوكّل على الله فإنّه كافيكَ وناصرُك عليهم، فاشتغلْ بذكرِ الله وتحميْده وتسبيحهِ وعبادتِه التي هي الصلاة ; ولهذا قال :"وكنْ من السّاجدين". 

 وكلّما أكثرتَ مِنْ ذكر الله تعالى وتسبيحهِ.. كلّمَا أزال همّكَ.. ونفّثَ كرْبك..واستجابَ دعاءك.. وألهمكَ قوّةً ونصرة من عنْده.. وقوّاكَ بمددٍ من عنْده، "وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ " المدثر:31

وقد اشتملت السُنّةُ النّبويةُ على الأدعيَةِ الصّحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لطرْدِ الهمّ والحزن، وتفريج الكرْب وإزالةِ الوَسْوسَةِ، بحيثُ لو واظبَ عليْها الإنسانُ بالإخلاصِ والإنابةِ والتّضرع والانكسار  والخشوع إلى الله تعالى لزالَ ما به من الهمّ والحزن، ومنْ هذهِ الأدْعيةِ:

1-"اللهمَّ إني عبدُك، و ابنُ عبدِك، و ابنُ أَمَتِك، ناصيتي بيدِك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤُك، أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك، أو أنزلتَه في كتابِك، أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندَك، أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي، و نورَ صدري، و جلاءَ حزني، و ذَهابَ همِّي"

فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم  أنّ هذا الدعاء ما قاله أحدٌ قطّ، إلا أذهبَ اللهُ همَّهُ وحزنَه، وأبدلَه مكانَه فرجًا، قال: فقيل:يا رسولَ اللهِ ألا نتعلَّمُها؟ فقال بلى، ينبغي لمن سمعَها أن يتعلَّمَها. السلسلة الصحيحة: 199

2-"لا إلهَ إلا الله العظيم الحليمُ، لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ السمواتِ والأرضِ، وربُ العرشِ العظيمِ" فقد كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بها عند الكرب. صحيح البخاري: 6345

3-"اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من الهمِّ والحزَنِ، والعجزِ والكسلِ، والبُخلِ والجبْنِ، وضَلَعِ الديْنِ، وغلَبةِ الرجالِ" فقد كانَ النّبيُ صلى الله عليه وسلم يكثر من قولها. صحيح البخاري: 5425  وألفاظ الحديث صريحة في الاستعاذة من الهمّ والحزن. 

4-"اللهُمَّ رحمتَكَ أرجُو ، فلَا تكلْنِي إلى نفسِي طرْفَةَ عيْنٍ، و أصلِحْ لِي شأنِي كلَّهُ ، لا إلهَ إلَّا أنتَ" حيث سمّاها النبي صلى الله عليه وسلم دعوات المكروب.  صحيح الجامع: 3388

5- "اللَّهُ، اللَّهُ ربِّي لا أشرِكُ بهِ شيئًا" حيث تقولُ رواية الحديث أسماء بنت عميس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم علّمها هذه الكلمات تقولها عنْد الكرب. السلسلة الصحيحة: 6/593

6-"اللَّهمَّ إنِّي أسألُك بأنَّ لكَ الحمدُ لا إلهَ إلَّا أنتَ وحدَك لا شريكَ لك المنَّانُ بديعُ السَّمواتِ والأرضِ ذو الجلالِ والإكرامِ" فقد سَمِع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو بهذا الدعاء فقال: "لقد سألَ اللهَ باسمِه الأعظمِ الَّذي إذا سُئل به أعطَى وإذا دُعي به أجاب". صحيح ابن ماجة، الألباني: 3126

7-"لَا إِلهَ إلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنَّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الدعاء: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بشيءٍ إذا نزلَ برجلٍ منكم كربٌ، أو بلاءٌ، مِنْ أمرِ الدنيا دعا بِهِ فَفُرِّجَ عنه؟ دُعاءُ ذي النونِ. صحيح الجامع، الألباني: 2605

8-"أعوذُ بالله مِنَ الشّيطانِ الرّجيم" حيثُ ورد في صحيح مسلم أنَّ عثمانَ بن أبي العاصِ أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ.إنَّ الشيطانَ قدْ حالَ بيني وبين صلاتي وقراءَتي  يُلَبِّسُها عليَّ. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "ذاك شيطانٌ يُقالُ له خَنزَبٌ، فإذا أحسستَه فتعوَّذْ بالله منه، واتفُل على يسارِك ثلاثًا " فقال: ففعلتُ ذلك فأذْهَبَه اللهُ عنّي .صحيح مسلم: 2203

هذه وغيرها من الأدعية الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم لعلاج الهمّ والقلق وضيق الصدر، حيث كان صلى الله عليه وسلم أرحمَ الناس بأمّته وأحرصهم على هداهم وما ينفعهم في دينهم ودنياهم، فصلواتُ ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه  ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية