العدد 3655
الأربعاء 17 أكتوبر 2018
د.سعد الله المحمدي
ثقافة التّحسين المستمرّ
الجمعة 05 أكتوبر 2018

مَنْ مِنّا لايحتاجُ إلى التّحسينِ والتّطويرِ في أداءِ مَهامهِ وأعْماله والمسئوليّاتِ المنُوطة به؟

مَنْ مِنّا لايحرصُ على الارتقاء بنفسه وعَملهِ، وزيادةِ الإنْتاجيّة وكثرةِ المخْرجاتِ، وتعديلِ السّلوكيّاتِ نحو الأفضل؟

مَنْ مِنّا لايرغبُ في تقليل الهدر والعَشوائية في أداء أعماله وواجباته والتزاماته اليومية، والسيطرة على الفوضى وضياعِ الوَقتِ والجُهدِ والمَالِ والوسائل؟

الحقيقة أننا جميعا كأفراد ومؤسسات بحاجةٍ ماسّةٍ إلى التّحسين في العمل و المرونة في الأداء والزيادة في الإنتاجية والنمّو في المخرجات، كما أننا بحاجة إلى الارتقاء والتحسين في بيئة العمل؛ اعتبارا من أعلى الهرم في المؤسسة أو الشركة إلى آخر شخص فيها، حتى يصبح الإبداع والتميّز جزءا أساسيا من حياتنا العملية والمهنية بحول الله تعالى وقوّته، وبالتالي نستطيع مواكبة التغيرات القويّة التي تحيط بنا من كلّ جانب على الكرة الأرضيّة.

إن الإنسان -ياكرام-بشكلٍ عام وفي الغالب يحبّ نفسه، ويتمنّى تحسين مستواه العلمي والعملي في محيط البيت والأسرة، والمكتب والعمل.. والمحيط الاجتماعي، ويتطلع للارتقاء إلى الأعلى، وتطوير النفس والمجتمع.

إذاً فالتحسينُ والتطويرُ أمرٌ مرغوبٌ ومحبوبٌ للإنسان، وهو جزءٌ من فلسفة كايزن اليابانية التي تعني التحسين والتغيير للأفضل بشكلٍ تدريجيٍّ ومستمرّ في جميع المجالات، من التحسين في البيت، والتحسين في العمل، والتحسين في القراءة، والتحسين في الجانب الإيماني، والصحي، وتنمية المهارات، وبناء العلاقات مع الآخرين، وذلك بهدف تحقيق التحسين الكبير في نهاية الأمر، الذي لايتحقق بين يومٍ وليلة، بل نتيجة مجهود تراكمي مدروس، فعندما تزرع فكرة تجني عملًا. وعندما تجني عملًا، فإنك تزرع عاد. وعندما تزرع عادة، تجني شخصية. وعندما تزرع شخصية، فإنك تجني المصير.

من المؤسف جدا أن ترى البعض يكون على نفس الوتيرة ونفس المستوى ونفس الأفكار التي كان عليها قبل عشر سنوات، بينما يتغيّرُ العالم مِنْ حوله بسرعةٍ هائلةٍ، ويتطوّر في المجالات العلمية والاقتصادية والصحية والبشرية، لكنّه بقي حبيسًا على نفس المستوى من التّفكيرِ والعلم والمعلومات والأداء والإنجاز وحتى الأفكار.

وتقول نظرية كايزن التي تعني الطريقة الصحيحة لتحقيق هدف أو لمعالجةِ مٌشْكلةٍ بأقلّ كلفةٍ وبشكلٍ تراكمي: إنّ التّحسين يمكنُ أن يتحقّق إذا أعملنا الفكر بطرح الأسئلة الصغيرة حول أعمالنا بشكلٍ مستمر، كأن نسأل أنفسنا يوميا: مالذي نقدمّه في حياتنا؟ وهل نقدمّه بشكلٍ صحيح؟ وهل هناك طريقة أحسن من هذه التي نقدم بها العمل أو الخدمة؟ وكيف يمكنُ تطويرها، وكيف نتفادي المشاكل التي تؤدي إلى الهدر في الوقت والجُهْد والمال والتخزين والانتظار والتشغيل وغيره، وكيفَ نستطيعُ تحسين العلميات والأنشطة التي تعطي قيمة مضافة، فنبحثُ عن تحسينها بشكلٍ يومي ولو كانَ ضئيلا أو في جُزءٍ من الأجزاء، فليسَ هُناك عدوّ للتحسين أكثر من الانقطاع كما يقول اليابانيون.

تقول دراسة نشرتها وزارة العدل الأمريكية أن 80% من العاملين والموظفين بإمكانهم أداء عملهم بطريقة أفضل إذا أرادوا ذلك، وأن 20% لايريدون التغيير أصلا؛ لأن عميلة التغيير صعبة على كثير من الناس، ويصل الأمر بالبعض إلى المعاداة والكراهية عندما يطلب منهم التغيير أو التحسين.

ومن الملاحظ أن الإسلام سبق جميع الأنظمة إلى التأكيد على التحسين حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أَحَبُّ الأعمالِ إلى الله تعالَى أدومُها وإن قلَّ" أخرجه البخاري: 6465 حيث يؤكد الحديث الشريف على أنَّ العَملَ القليلَ الدائمَ خيرٌ مِن الكثيرِ المُنقطِع.

وقالوا: القطرة مع القطرة تجتمع سيلا عظيما.

وقال الشاعر:

أما ترى الحبل بطول المدى* على صليب الصخر قد أثّرا

والتحسين مسئولية الجميع، ولابد أن يكون بشكل تدريجي ومنضبط، وموزع على مراحل توزيعا عادلا، حتى تبقى الحيويّة وحبّ الإنجاز في النفس، ولانُصابَ بالإحباطِ والتّعبِ والإرهاقِ من أداء العمل مرّة واحدة،

شمعة أخيرة:

تعلّم أن هناك طريقة أفضل لتأدية العمل من الطريقة الحالية.

*دكتوراه في اللغة العربية، ومدرب معتمد.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية