العدد 3655
الأربعاء 17 أكتوبر 2018
محمد الواعظ
عظماء النجاح
الجمعة 05 أكتوبر 2018

ما الذي يدفع إنسانًا حالمًا أضحى منطويًا على ذاته، غارقًا في خيالاته الطفولية، يقتفي آثار طموحه العصي أينما ولىَّ، حتى ينال هدفه النبيل.

أي إرادة نمت في قلب ذي الهمة حتى يحث الخطى، ولا يبالي مهما تكائدته العقبات حتى يبلغنَّ غايته الأسمى ولو زحفًـا.

وإني لأعجب أيما عجب من بعض أرباب الهمة رغم طريقهم الوعر المحفوف بالعراقيل، ومهما نالتهم يد الخيبات، إلا أنهم أبوا لليأس أن يحول بينهم وبين تحقيق مجدهم المنتظر في محطات التاريخ المقبل.

يا تُرى.. ما هو السر الذي ولَّد للإرادة صلابة لا تلين، وثباتًا لا يستكين، فتدفع الطامح قدمًا لتحقيق المستحيل.

هو ذلك الوحي الذي لا يُهمس بالكلمات، ولا يُعبِّر عن مغزى المفردات. بل هو خاطر وضَّاء باعث على النهضة، يراود مخيلة المرء المتأمل، ثم يسكن قلبه الحي، ولا يغادرنَّه حتى يُكتب للمجد التحقيق.

إنه الإلهام يا سادة.. السرُّ الذي يقف خلف عظماء النجاح، ولولاه لما قامت الشواهد بكتابة قصصهم الملهمة بحد ذاتها لترويها للأجيال المتعاقبة.

ولهذا العنصر الجوهري أثر فعَّال، إن استحوذ على قلب المرء لاجتاحته رغبة مشتعلة لبلوغ هامات الجبال الشاهقة، ونصب راية نجاحه العظيم فوق إحدى القمم، دون أن تعتريه الرهبة من طرقها الوعرة.

ولا جدوى من سعي المرء إن لم تكن به رغبة مشتعلة لتحقيق غايته المثلى، ولهذه الخاصية حكاية معبِّرة رواها لي أحد الأصدقاء الناصحين، إذ تُستهلُّ في مطلعها.. أنَّ شابًا فتيًا من ذوي العزم قصد شيخًا حكيمًا معروفًا بين أهل منطقته، ليستنصحه في كيفية تحقيق غايته المثلى. فأجابه الحكيم: إن أي هدفٍ وضعته نصب عينيك لا بدَّ أن تعتريك الرغبة المشتعلة وبدونها لن تتمكن من تحقيق مرادك. فسأل الشاب: وكيف ذلك؟ هنا قام الحكيم بإحضار دلوٍ ممتلئ بالماء ووضعه أمام الشاب، ثم طلب منه أن ينحني فاحصًا ما بداخل الدلو، انصاع الشاب لأمره، وما كاد يفعل حتى شعر بغتة بقبضة الحكيم القوية تمسك برأسه لتدفعه إلى الأسفل قاصدًا غرق وجهه في الماء، حاول الشاب أن يقاوم إلا أن قبضة الحكيم الصلبة منعته من تحرير رأسه، ولما شعر بأنفاسه تكاد تختنق تضاعفت مقاومته، وسرت فيه قوة هائجة ليسحب رأسه من داخل السطل ويتحرر لاهثًا. صاح غاضبًا بينما يسترد أنفاسه: ماذا تفعل يا مجنون؟ ابتسم الحكيم قائلاً: هكذا تكون الرغبة المشتعلة، فمثلما أتتك الإرادة القصوى للنجاة، كذلك يجب أن تمتلك مثلها لتحقيق غايتك المنشودة.

أعتقد لست بحاجة لذكر الفائدة المستخلصة من هذه القصة، فهي جلية للقارئ الفطن، فإني موقن تمامًا أنَّ من أهم قواعد تحقيق الإنجاز الأمثل في أي مجال كان يكمن أساسًا في قوة الإرادة التي أعدُّها هبة عظيمة يفتقدها الكثيرون من أرباب الهمم الساعين نحو المجد.

ولعل خير ما أستشهد به مثلاً ذكر نفحات من سير عظماء النجاح التي تناولتها السجلات والوثائق القيمة، فأستهل بالتطرق أولاً إلى الميكانيكي الياباني (تاكيو أوساهيرا) الذي نقل سر قوة الغرب اليابان، ثم نقل قوة اليابان إلى الغرب بعدما عكف لخمس عشرة سنة يعمل جاهدًا حتى استطاع تصميم محركات يابانية تفوق المحركات الأوروبية التي كانت رائجة آنذاك، إلى حد أنَّ الإمبراطور الياباني عندما استضافه في قصره ليشاهد هذه الصناعة التاريخية للمحركات اليابانية وهي تعمل، قال عبارته البليغة: هذه أعذب موسيقى سمعتها في حياتي.  

ومن المحركات اليابانية لا يمكن أن نغضَّ الطرف عن صناعة السيارات، إذ أشير هنا إلى مؤسس شركة هوندا (سكويكيرو هوندا). فرغم النحس الذي لحقه في بداية مشواره من محاولات فاشلة، ثم تعرض مصنعه للتدمير أكثر من مرة، بفعل قصف الطائرات الأمريكية إبان الحرب، وبعدما قام بترميمه وقع زلزال عنيف تسبب بانهيار المعمل كاملاً. إلا أنَّ كل هذه المصائب المتوالية لم تثبط من عزيمته وتحمله على رفع راية الاستسلام، إذ في نهاية المطاف تمكن من تأسيس أنجح الشركات الكبرى في مجال صناعة السيارات تحت مسمى شركة (هوندا) كما سلف ذكرها، بفضل صلابة عزيمته وصموده أمام العقبات.

وماذا عن زعماء الدول الكبرى، العديد منهم كان مواطنا عاديًا مثل أي فرد من عامة الشعب، حتى سعى مكافحًا كي يصل إلى كرسي الزعامة، ليضع خدمة شعب ووطنه نصب عينيه، مثل شخصية الرئيس الراحل (أبراهام لينكولن) الذي خاض عشرة انتخابات فاشلة في عدد من المناصب، إلا أنه أبى الاستسلام رغم بلوغه الثانية والخمسين حتى انتخب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، وشهد له التاريخ بإنجازاته العظيمة بعدما ترك بصمة جلية عقب انقضاء أجله.

إنَّ سجلات التاريخ الذهبية والمعاصرة لتزخر بقصص نجاح العظماء ومآثرهم ولو عمدت إلى ذكرها جميعًا لما توقفت عند حد، ولتراكمت علي الصفحات من غير حسبان. فماذا أعددنا ليوم غد؟ فهل نحن على خطاهم سائرون؟ أم نُسوغ العوائق ذريعة لليأس والخذلان، وحججاً واهية لا طائل منها إطلاقًا. فماذا نحن فاعلون؟       

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات
captcha

2018 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية