العدد 4315
الجمعة 07 أغسطس 2020
د. جعفر الهدي
إدارة المعرفة في زمن كورونا
الخميس 23 يوليو 2020

يمكن تقدير الفجوة بين الشرق والغرب في مجال إدارة المعرفة بالفارق بين صدور كتاب "إدارة المعرفة النظم والعمليات للمؤلفين إرما بيسرا، وراجيف سابيروال" في العام 2004، وترجمته في العام 2014، لقد أثار هذا الكتاب جدلاً كبيراً بشأن العديد من المصطلحات الجديدة التي بدأت تتشكل في عالم المعرفة والتي صاغت المناهج الجديدة لإدارة المنظمات الحديثة، في ذلك الوقت أي في العام 2004 كان التنبؤ بالانفجار الهائل في المعلومات مبكراً لكن ذلك قد حدث، وتبع ذلك "التفجر المعرفي"، وما يمكن أن نسميه "العولمة الإدارية"، في المقابل يمكن القول إن المنظمات المختصة بالمعرفة في الوطن العربي بما في ذلك الجامعات ومراكز الأبحاث قد تأخرت في التنبه لذلك التغيير المتسارع، فقد بقيت الجامعات ومراكز الأبحاث تعمل بالمصطلحات والمناهج القديمة، لقد ترجم هذا الكتاب في العام 2014 من قبل معهد الإدارة العامة بالرياض أي بعد عشر سنوات من صدوره، بما يعني أن الفجوة أصبحت حقيقة تكشفها مؤشرات الابتكار في مجمل الدول العربية وهي تعني إن الفجوة تزداد يوماً بعد يوم.

في مقارنة سريعة بين البحرين الذي تحتل المرتبة 36 في مؤشر الابتكار العالمي بسنغافورة التي تحتل المركز الأول فمدخلات الابتكار في البحرين 0.21 بينما في سنغافورة 2.74 أما في فيما يتعلق بمؤشر أداء الابتكار فهو في البحرين 0.31- أما في سنغافورة فوصل لمؤشر أداء الابتكار إلى 1.92، وهذا يعني أن الفجوة هائلة.

اليوم ونحن في زمن تفشي فايروس كورونا يمكننا أن نقول إن التقديرات السابقة للفجوة لم تعد كما هي فقد أثبتت الجائحة أن أرقام مؤشرات الابتكار والتعليم في مجمل الوطن العربي تضعنا في خانة مستهلكي المعرفة وليس منتجيها أو مطوريها، وأكاد أقول إن الجائحة بينت أن حديثنا عن إدارة المعرفة كان مجرد أماني فالوضع في مجمل منظماتنا لم يتغير، لقد ثبت أن جامعاتنا ومدارسنا غير قادرة على التحول للتعليم عن بعد في زمن هذه الجائحة وذلك كافٍ لنعرف أن الفجوة أكبر مما كنا نقدر.

لقد فرض التحول في أساليب المعرفة تغييراً سريعاً ومذهلاً بحيث أصبح إنتاج المعرفة يتم بطريقة أسهل وأسرع على صفحات الإنترنت ويتم تنظيمها من خلال معالجات إلكترونية عملاقة لتصبح متاحة للتصفح والقراءة والتداول بسهولة وبذلك ظهر مصطلح (الذكاء الجماعي) لأول مرة كما يشير الكتاب وهو تعبير عن تغيير عميق في أهم المصطلحات المرتبطة بالمعرفة وهو الذكاء والإدراك.

وبرغم إن العلماء طالما نظروا للذكاء بأنه ليس عملية فردية بحتة، فتوسع المدارك ينتج من خلال احتكاك العقول وتفاعل المعرفة الناتجة من إدراك البشر بعضهم ببعض بل وحتى تفاعلهم مع الأشياء من حولهم ومحاولتهم فتح آفاق جديدة في الكون، إلا أن النظرة الجديدة للذكاء الجماعي أسست لمفهوم جديد للذكاء جاء عبر تطور أدوات المعرفة الحديثة التي أتاحت المعرفة بشكل هائل وواسع ويشير هذا المفهوم الجديد (الذكاء الجماعي) إلى تساؤلات كبيرة بشأن الذكاء أبرزها إمكانية ارتفاع نسبة  (الذكاء الإدراكي الفردي) بسبب الارتفاع الكبير في نسبة إتاحة المعرفة وإمكانية تداولها بشكل أسرع.

ولعل البعض يتجه للتركيز على قدرة الإنسان على تفعيل نسبة أعلى من عقله بدلاً من فكرة ارتفاع نسبة الذكاء، فوفق النظرة القديمة للعقل فأنّ الإنسان يستخدم فقط 10% من قدراته العقلية، ويتساءل العلماء عن الـ 90% المتبقيّة هل هي بلا فائدة؟ إن نظرية استخدام 10% من قدرات العقل التي ظهرت عام 1936 كانت أحد نتاجات علماء الإدارة الذين وضعوا النظرية الإدارية التي كانت تنظر للإنسان بشكل سلبي أي أن الإنسان يميل للراحة والدعة وما لم يتم تحفيزه وتحريك دوافعه فإنه يصل لمرحلة الخمول، إنّ عقل الإنسان مسؤول عن وظائف الجسم المختلفة كالرؤية، والسمع، والتحدث، وغيرها من العمليات التي تتمّ دون وعينا لها، لذلك فإنّ العقل الداخلي نشط ويعمل طوال الوقت وتقوم الملايين من الخلايا العصبيّة بمهامها حتّى أثناء نومه، ومنها الخلايا المسئولة عن الذاكرة والأحلام والعقل الباطني، يقول توماس أديسون مخترع المصباح الكهربائي: العبقرية هي 1% إلهام، و99% اجتهاد شخصي، لذا فإن الكثير من العلماء أوضحوا أنّ الإنسان يستعمل دماغه بالكامل لكن ليس بنفس الوقت فالدماغ يتكون من 100 مليار خليّة عصبيّة تنقل المعلومات بسرعات مختلفة.

على هذا الأساس يمكن القول إن أدوات المعرفة الحديثة مكنت الإنسان من استخدام عقله بنسبة أكبر وهو ما يمكن أن نعبر عنه "بالذكاء الجماعي" ولعل أبرز نتائج هذا النوع من الذكاء ما نراه اليوم من كم هائل من المعلومات والبيانات والصور التي يسهم في بثها الملايين من البشر عبر العالم.

إن جائحة كورونا وضعتنا أمام تحديات أصعب مما كنا نتوقع وبينت بأننا لم نبدأ بشكل صحيح وأن الطريق الذي يجب أن نقطعه يبدأ بخطوات تأسيس إدارة المعرفة الحقيقية عبر تطوير التعليم الإبداعي والتركيز على الابتكار وليس الركض وراء استيراد وسائل التكنلوجيا الجاهزة.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية