+A
A-

حوانيت الدِّين و”ثارات الحسين” - مقال -

لأجل الحسين عليه السلام ومحبيه نقول إن إلنظرة الدونية المؤدلجة لحوانيت الدين الصفوية التابعة لولي الفقيه التي تعتلي المنبر الحسيني وتحرض على الكراهية والطائفية، هي من تقف وراء استغلال الطفولة في موسم عاشوراء، والزج بهم في مهاترات سياسية من أجل أن تحول هذا الطفل، مستقبلا، إلى مشروع طائفي بغيض، وهو ما يجعل هذه الطفل مستهدفا بأشياء وأشياء، لا علاقة لها بالدين ولا سماته وطباعه وأخلاقه.
وهم من تعمد كذلك إلى استغلال عاشوراء لتشويه العلاقة بين أهل السنة والشيعة، وزرع الفتن والفروقات بين الأمة المحمدية التي بذل في سبيلها الرسول الجهد العظيم من أجل جمع شتاتها والحفاظ على هويتها، وساهموا في حرف منهاج الحسين في الثورة عن مواضعه، فالحسين رضي الله عنه لم يثر من أجل الشيعة في الأصل، بل ثار من أجل جموع المسلمين والإنسانية جمعاء.
أمثال هؤلاء ممن يعتلي المنبر الحسيني ويتعمد إلى غرس قيم الثأر والمظلومية والانتقام والحقد والكراهية، ليس بين الأطفال فحسب، بل حتى بين الفتيان والشباب، بالكثافة غير المتوقعة والتي تتم عبر دكاكين صفوية وتجار دين مؤدلجين، عاشت على الدجل خلال عشرات السنين حتى استحكمت في سيطرتها ونفوذها على الحسينيات والمنابر والخطابات الدينية، مدعومة بأموال من الولي الفقيه، هي من عمدت إلى فقدان هذا الطفولة القدرة على أن تشع منه الإنسانية، كما هو مطلوب منه مستقبلا لخدمة دينها ووطنها.

نحب الحسين؟!
نعم، نحب ابن بنت رسول الله وآله، ولا يوجد سني واحد إلا ولديه حزن عميق وصدمة لمقتل الحسين، ولكن نكره أفعالكم، نكره استغلالكم لقضية مقتل الحسين والزج باسمه في كل شاردة وواردة وخلافتكم مع الدولة، نكره شعاراتكم التي تنم عن طائفية بغيضة وتهدف إلى زرع الفتن بين مكونات المجتمع الواحد.
هل تنظيم الاستعراضات العسكرية وفرد العضلات من شعائر عاشوراء؟ وهل إهانة صور الرموز السياسية والوطنية من شعائر عاشوراء؟
أنتم بفعلكم هذا تسيئون لثورة الحسين رضي الله عنه، فالحسين وكما قال السيد علي الأمين لا يريد اللافتات السوداء، بل القلوب البيضاء.
لا وحين يقف القانون ليتصدي لكم ولدجلكم وحقدكم وطائفيتكم وإمعانكم في الفتنة بين المسلمين، تشتكون من القانون وتهللون وتصرخون، وتدعون أن الدولة تحاربكم وتمنعكم من ممارسة شعائركم، وأيا منا ومنكم يعلم أن هناك فارقا جذريا بين احترام المعتقدات وبين استخدام الدين لمآرب سياسة، ولإقامة سلطة دينية ثيوقراطية، ويعلم أيضا أن الدولة ومنذ عهدها الأول لم تمانع قط من ممارستكم لشعائر عاشوراء كل سنة، بل إن الحرية التي تتمتعون بها في أيام عاشوراء غير موجود ولا حتى في دولة ولي الفقيه ورأس الفتنة وموطن الفرقة، ما يعرف بإيران.
يقف “آية الله مجنسي” يتفوه بما لا يليق برجل دين -أشك- ويدعو إلى صلاة جامعة تحت شعار “كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء”، وهي المقولة التي اتخذها الخميني شعارا لثورته في إيران، ومنها قرر أن يصدر ثورته إلى بقاع أهل السنة بحجة أن كل شبر من أرض الإسلام هي “كربلاء”.
ولكن لا تثريب أو ملامة، فالجميع يعلم بأن أكثر الخطباء ومن بينهم “آية الله مجنسي” من الذين يعتلون المنبر الحسيني اليوم هم من الأميين الفاشلين في الدراسة، اعتلوا المنبر، حيث لا امتحان ولا شهادات أكاديمية سوى الولاء المطلق لولي الفقيه ودعم المرجعيات الصفوية والسلطة الظالمة في إيران.
وهو ما جعل أمثال المفكر والفيلسوف الشيعي الإيراني الشيخ مرتضي مطهري، والذي توفي عام 1979 يتندر عليهم ويحزن؛ لأن أمثالهم امتطوا صهوة المنبر الحسيني، فكانوا أكثر من أساء للحسين نفسه، يقول في كتابه “الملحمة الحسينية”: “استشهد الحسين ثلاث مرات، الأولى علي يد اليزيديين بفقده جسده، والثانية على يد أعدائه الذين شوهوا سمعته وأساءوا لمقامه، أما الثالثة، فعندما استشهدت أهدافه على يد أهل المنبر الحسيني، وكان هذا هو الاستشهاد الآعظم”.
نعم أمثال هؤلاء المعممين الجهل، الطائفيين، المحرضين، الممعنين في الغلو والتحريض على القتل وسفك دماء الأبرياء هم من أساءوا إلى الحسين وثورته، وهو ما دفع العديد من رجال الدين الشيعة العرب المعتدلين أمثال أبو الحسن الأصفهاني، ومحمد حسين آل كاشف الغطاء، والعالم المجدد محسن الأمين، ومحمد حسين فضل الله التصدي لهم ومنعهم، ولكنهم -للآسف- هوجموا، وتم التشهير بهم من قبل مراجع الفرس الصفوية، فاتهموا بالزندقة وبأنهم عملاء منحرفو العقيدة ضالون مضلون يحرم تقليدهم واتباعهم، بحجة رفضهم استغلال الأطفال وممارسة طقوس وشعائر لاعلاقة لها بالمقام الحسيني منها التطبير والإدماء وجرح البدن عمدا.
ولأن أمثال هؤلاء المعتدلين تواروا، فقد استفحل أمثال “اية الله مجنسي” كما استفحلت تيارات التعصب والتكفير والغلو، وهي نتيجة حتمية جاء نتيجة غياب الأصوات الدينية الشجاعة التي تدين التعصب المقيت، والعنف، والطائفية، ورفض الآخر والدعوة للانغلاق، وهو - أيضا- ما شجع الكثيرين من أمثال هؤلاء الجهل للتدخل في تفاصيل حياتنا السياسة اليوم، وهم أنفسهم من يصدرون الفتاوى لسحق رجال الشرطة وتبرير العمليات الإرهابية ضدهم، وصمتهم عمن يقترف الجرائم من هم محسوبون على طائفتهم؟
فالمتتبع لما يقال على المنابر الحسينية، ولما يكتب ويعلق من شعارات في الشوارع -هذه الأيام بالذات- يتصور أن الخلاف بين أهل الشيعة وأهل السنة، وأن مراده والمتسبب فيه هم أهل السنة “الموت لبني أمية” “يا لثارات الحسين”، أو “ثأر الله وثأر ثأره”.
تأمل بنوع من التأني عزيزي القارئ، ستجد أنها تشير بالغمز والهمز والتلميح لمَنْ لا يشارك في العزاء بأنهم هم المقصودين بـ “بني أمية” ووجوب الثآر منهم!!
وهنا يتبادر إلى الذهن أسئلة مهمة عدة: الثأر ممن، ولمن، ومن المسؤول عن هذا الثأر؟ هل أهل السنة هم أنصار بني أمية؟ لماذا يراد لأتباع الولي الفقيه إشاعة الخوف عند أهل السنة وتوسيع دائرة الخلاف والاختلاف بين الشيعة وإخوانهم السنة وزرع الفتنة؟ كأنكم لم تقرأوا كتاب الله ولم تسمعوا ما أعد من عذاب لأهل الفتنة “واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وأعلموا أن الله شديد العقاب”.
لماذا يتشابه الشياطين؟ لأنهم دائما يثيرون الفتن و”آية الله مجنسي” متخصص في إثارة الفتن!!?
ثم تعال هنا.. كيف تحاسبني على خلاف تاريخي عمره ألف وأربعمئة سنة لا دخل لي فيه فـ “تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ”؟! أليس بنو أمية يجتمعون في نسب مع الرسول ـ صلى اللَّه عليه وآله وسلم ـ في الجد من جهة أبيه‏، وهم من أشراف العرب. طيب، إذًا كنت “ابن بارم ذيله” انزع هذا الشرف من بني أمية، وتتخلص منه إن استطعت.