العدد 3799
الأحد 10 مارس 2019
أحلام الأباطرة في أنقرة وطهران!
الأحد 10 مارس 2019

ابتُلي الشعبان الصديقان التركي والإيراني، وابتلينا نحن العرب معهما، بنظامين سياسيين ينطبق عليهما المثل الدارج أو واحدة من الحكم التي تقول: إنه إذا أفلس التاجر يعود إلى دفاتره القديمة، فالحكام الحالمون في أنقرة وطهران يسعون جاهدين وبمختلف الطرق والوسائل والعناوين إلى فتح الدفاتر القديمة ونبش القبور ومحاولة نفخ الروح في الجسدين الميتين للإمبراطوريتين العثمانية والفارسية وإحيائهما، يدفعهما الإحساس الموهوم بالتفوق والفوقية والاستعلاء، ونزعة الهيمنة والتوسع، والرغبة في التمدد والنفوذ، وهي خصائص متأصلة للأسف الشديد في الفكرين العثماني والفارسي، وللأسف الشديد أيضًا فإنها تُحقن في بعض جوانبها بسموم الضغينة والحقد والكراهية ضد العرب بما في ذلك اتهامنا من قبل الحالمين في أنقرة بمسؤولية انهيار الإمبراطورية العثمانية؛ بسبب الثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف حسين بن علي في الحجاز بالتعاون مع الإنجليز، واتهامنا من قبل الحالمين في طهران باغتيال تراثهم وحضارتهم الساسانية العظمى عندما فتحت الجيوش العربية الإسلامية بلاد فارس.
وقبل أن نستطرد لابد أن نكون منصفين ونعترف أن بين صفوفنا نحن العرب من يتحسر على الماضي ويحلم أيضًا باستعادة أمجاد العرب إبان دولة الخلافة الراشدة وإمبراطوريات الأمويين والعباسيين والفاطميين ودولة الأندلس وغيرها.
وتُعرَّف كلمة إمبراطورية في “معجم المعاني الجامع” على أنها اسم لنظام مِن أنظمة الحكم القديمة قائم على أساس التحكم في أقاليم واسعة وشعوب مختلفة.
ولابد أن يدرك هؤلاء الحالمون، خصوصًا في أنقرة وطهران، بأن عصر الأباطرة والإمبراطوريات قد ولى وانتهى إلى غير رجعة، وأن الأموات لا يعودون إلى الحياة في هذه الدنيا، وأنه لا سبيل إلى إيقاظ السلطان عبدالحميد أو السلطان نادر شاه، وأن عليهم أن يقرأوا التاريخ ويتعلموا من دروسه وعبره، وأن لعبة أو نظرية “حدود إيران الفارسية الكبرى” هي سلاح خطير ذو حدين قد يقودنا إلى حدود إمبراطورية الأمويين التي كانت عاصمتها دمشق وكانت الأراضي الفارسية بأكملها ضمن حدودها وتحت سيطرتها.
لقد اندثرت حدود الإمبراطوريتين الرومانية والجرمانية وغيرهما من الإمبراطوريات القديمة وولى عهد أباطرتها إلى غير رجعة. وقضى عرب الصحراء تحت راية الإسلام على الإمبراطورية الساسانية في فارس ولم ولن تقوم لها قائمة بعد ذلك، كما أجهزت الحرب العالمية الأولى على آخر أنفاس الإمبراطورية العثمانية، وأنهت الحرب العالمية الثانية آخر الإمبراطوريات في العالم وهي الإمبراطورية البريطانية التي كانت الشمس لا تغيب عنها أبدًا، فأصبحت بريطانيا نفسها الآن لا ترى الشمس في معظم أيام السنة.
لم يبق إلا إمبراطور واحد فقط على وجه الأرض وهو إمبراطور اليابان الذي لا يزال يحمل هذا اللقب كمجرد رمز تشريفي يهدف، كما يبدو، إلى الاحتفاظ والتشبث بموروث ياباني، من دون أن تكون تحت إمرته إمبراطورية ومن دون أن تبقى له أحلام أو أوهام أو أطماع توسعية وليس لديه صلاحيات أو سلطات حتى داخل اليابان الديمقراطي نفسه.
وشهد النصف الثاني من القرن الماضي القضاء على إمبراطورية إثيوبيا الصغيرة في إفريقيا والإطاحة بالإمبراطور هيلا سيلاسي، الحالم الذي لقب نفسه رسميًا بـ “الأسد من سبط يهوذا، صاحب الإمبراطورية، جلالة هيلا سيلاسي الأول، ملك ملوك أثيوبيا المنتخب من الله”، وكان هو آخر أباطرة الأسرة السليمانية التي حكمت أثيوبيا لأكثر من 3 آلاف سنة، وقد ادعى بأنه من سلالة الملك سليمان وبلقيس ملكة سبأ، كما ورد في دستور أثيوبيا للعام 1955م، الذي تم إلغاؤه بعد تحويل صبغة الدولة من إمبراطورية إلى جمهورية. وقد دُفن الإمبراطور بعد وفاته مع أحلامه تحت مرحاض في قصره المنيف.
وفي النصف الثاني من القرن الماضي أيضًا تَوج، حالم آخر، وهو رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى الفقيرة الدكتاتور جان بيديل بوكاسا نفسه إمبراطورا في حفل تكلف 20 مليون دولار، ما أدى إلى إفلاس البلاد عمليا، وقد تكلف تاجه المرصع بالألماس وحده 5 ملايين دولار، وسمى نفسه صلاح الدين أحمد بوكاسا بعد أن اعتنق الإسلام بتشجيع من العقيد معمر القذافي، وكان بوكاسا متهمًا بولعه بأكل لحوم البشر، ودامت إمبراطوريته لـ 3 سنوات فقط ثم أزيح من السلطة وحكم عليه بالإعدام الذي خُفف لاحقًا إلى السجن المؤبد.
الحالمون في أنقرة والأستانة، وتحت الغطاء أو وراء القناع السني، تتقاطع أحلامهم بـ “الإمبراطورية العثمانية الثانية” مع أيديولوجية ومشروع دولة الخلافة التي يتصدرها الإخوان المسلمون في بلادنا العربية، والحالمون في طهران وبرسيبولس، وتحت الغطاء أو وراء القناع الشيعي، تتقاطع أحلامهم بـ “حدود إيران الفارسية الكبرى” مع أيديولوجية ومشروع دولة ولاية الفقيه التي يتصدرها حزب الله في بلادنا العربية.
إن هذه العقلية السائدة في أنقرة وطهران ستلحق الخسارة والأذى والضرر للأسف الشديد بالشعبين الصديقين التركي والإيراني، وعلى الشعوب العربية المسلمة، سنتها وشيعتها، أن تدرك وتعي أن مشروع “دولة الخلافة” لا يؤمن به عن قناعة سوى شريحة ضيقة جدًا من المسلمين السنة، وأن مشروع “دولة ولاية الفقيه” لا يؤمن به عن قناعة سوى شريحة ضيقة جدًا من المسلمين الشيعة، وعليهم جميعًا، سنة وشيعة، ألا يسمحوا للحكام الحالمين في أنقرة وطهران بتوظيف واستغلال عواطفهم ومشاعرهم الدينية والمذهبية واستخدامها كمعابر وجسور لهم للوصول إلى تحقيق أحلامهم وأطماعهم في وطننا العربي.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .