العدد 3817
الخميس 28 مارس 2019
ترامب وصفقة بيض الصعو
الخميس 28 مارس 2019

ظلت الولايات المتحدة زهاء خمسة عقود تعتبر الجولان أرضا سورية محتلة، وفي أواخر عهد أوباما صوتت في مجلس الأمن ضد إعلان نتنياهو عدم التنازل عن الجولان، لكن ترامب خرج علينا ليعلن ويوقع اعترافه بسيادة إسرائيل على الجولان مبرراً ذلك التحول بالقول: “إن إسرائيل بحاجة للدفاع عن نفسها ضد التحركات البغيضة لإيران والجماعات الإرهابية في جنوب سوريا مثل حزب الله، مما يجعل من الجولان منصة لإطلاق الهجمات ضد إسرائيل. وأرى أن توقيت هذا الإعلان كان مدروساً حيث تزامن مع احتفال اليهود بعيد المساخر “بوريم”، وهو ذكرى خلاص اليهود من الإبادة التي خططها هامان الفارسي في عهد الملك أحشويروش (حسب سفر إستير). التذرع هنا بالتواجد الإيراني غير مقبول ومبرر، حتى لو كان تخييراً للسوريين والعرب عموماً ما بين احتلالين، وحتى لو كانت النظرة أن في سوريا حكومة فاشلة أدخلت الإيرانيين وميليشياتهم من عرب وأفغان وباكستانيين من أجل كرسيها، فهذا أيضاً ليس مبررا، لأنه في يوم ما ستذهب هذه الحكومة، بينما سوريا باقية، التوقيت مدروس أيضاً لأن هذه أقوى دفعة لنتنياهو مقابل “بيني غانتس” منافسه الأبرز في الانتخابات القادمة، لكن لماذا يحتاج ترامب لبقاء نتنياهو؟.

الصعو طيور معروفة عندنا في الخليج تهاجر في الربيع لتتكاثر في أماكن أخرى, فاتخذ بيضها مثلاً للشيء الذي يُذكر ولا يُرى، هذه بالضبط صفقة القرن التي تتحدث عنها الإدارة الأميركية، ولا يعرف تفاصيلها إلا عدد محدود جداً لا يتعدى أصابع اليدين، ليست منهم بالتأكيد قناة الجزيرة وأخواتها ولا قنوات الإيرانيين في طهران أو الضاحية الجنوبية، والذين حشوا رؤوس جمهورهم بقصصهم وخيالاتهم الواسعة، لكن الأكيد أن هذه الصفقة لن تنجح على الإطلاق ما لم تلب الحد الأدنى للتطلعات الوطنية الفلسطينية لدولتهم المستقبلية، وهذا ما قاله أيضاً الدبلوماسي الأميركي الشهير دينيس روس، كما أنها لن تنجح ما لم تقدم إسرائيل تنازلات كما قال ترامب نفسه، (تنازلات عن وضع اليد وليس حقوق)، كما أنها لن تنجح دون قبولها من حلفاء أميركا الرئيسيين في المنطقة وعلى رأسهم السعودية ودول الخليج، والأردن ومصر.

ترامب ونتنياهو والعالم بأسره، يعلمون جيداً أن كل تلك التوقيعات ما هي إلا حبر على ورق، فالأراضي المحتلة كانت ومازالت محتلة، والقرارات الدولية ومجمل المجتمع الدولي لا يعترف ولن يعترف بشيء من هذا، ما لم يتم اتفاق يرضي الطرفين، أتمنى في هذه المرحلة أن تخرج القوى الفلسطينية من تشرذماتها وصراعاتها، فهم أصحاب القرار في قضيتهم، وأن لا يتركوها للمستغلين والمزايدين من العرب والعجم، وأصحاب الشعارات والجعجعات، حتى في دول تجارة المخدرات بأميركا الجنوبية! وحتى أصبحت مؤخراً قيادة حماس لا تعلم من الذي يطلق الصواريخ من غزة ولا بأمر من! ولمصلحة من! توحيد الصفوف ليس فقط مطلباً من أجل أية صفقات، لكنه ضرورة ملحة من أجل القضية الفلسطينية نفسها.

أخيراً، لا يستبعد أن تستخدم الجولان كورقة مستقبلية لإدخال سوريا بشكل أو بآخر في الصفقة القادمة - إن حدثت - لتكون أكثر شمولية، وقد يتم ذلك بالتفاهم مع الروس، مع التأكيد على أننا هنا لا نعوّل على شيء هو حتى الآن كبيض الصعو.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية