العدد 3820
الأحد 31 مارس 2019
اليوم موعدكم مع القمة العربية في تونس.. ولكن؟
الأحد 31 مارس 2019

عندما كنت أحاول كتابة هذه الأسطر قبل أيام من موعد انعقاد القمة لم أر أيًّا من المؤشرات الإيجابية التي تدل على جدوى أو إمكانية انعقادها أو نجاحها، أو حجم ومستوى المشاركة فيها.

وهذه ليست نظرة تشاؤمية سلبية، بل هو الواقع الذي لا مفر من الإقرار به، ولا طائل أو سبيل إلى تجاوزه والقفز عليه، وهذا الطرح ليس ضمن نظرية المؤامرة التي تستهدف تثبيط عزائم العرب وهِممهم وبث روح التخاذل والتشاؤم بينهم.

فقد بات من الصعب الإحساس بالتفاؤل والإيجابية بشأن نتائج هذه القمة، إن عقدت، بعد أن فقد الإنسان العربي القدرة على التمسك حتى بخيط رفيع من الأمل، وبعد أن انهارت سقوف توقعاته وتطلعاته من مثل هذه القمم.

فإلى جانب التراجع الاقتصادي الذي تعاني منه معظم الدول العربية وازدياد حجم الإنفاق لمواجهة احتياجات الدفاع والأمن ومعالجة الأزمات، فإن هذه القمة تنعقد والواقع العربي في أسوأ فتراته وأكثرها ترديًا، فالمناخ السياسي العربي غير مواتٍ في أحسن الأحوال، وأصبح هذا المناخ، بكل وضوح، طاردًا لكل إمكانيات التوافق والانسجام بين الأشقاء العرب، والعلاقات بين الأنظمة العربية ازدادت تفككًا وتباعدًا؛ مما أدى إلى تصدع الصف العربي وتشرذمه، والموقف أو الوضع العربي بشكل عام واقع الآن في مأزق حرج نتيجة للانسداد والارتباك السياسي الذي يعاني منه.

لقد تراكمت الأزمات والخلافات، وأخذت تزداد تشعبًا وتوسعًا في ظل تشنج العلاقات بين معظم الدول العربية وارتفاع حدة التراشق الإعلامي بين بعضها بعضًا، مما أصبح له  أسوأ الآثار على إمكانية التوصل إلى أي توافق.

وفي ظل استمرار الصراعات البينية والحروب في المنطقة فإن الدول العربية تتجه إلى القمة وهي مثخنة بالجراح التي لا تزال مفتوحة، وستشارك في القمة وهي تحمل على كاهلها حزمة ثقيلة من الأزمات والخلافات والقضايا الشائكة المستعصية والملفات التي يصعب حملها أو فتحها ناهيك عن حلها.

وكما اختفت بنود مثل الوحدة العربية والدفاع المشترك وما شابه من جدول أعمال القمم العربية السابقة، فمن المتوقع أن تختفي أيضًا، في هذه القمة، الكثير من المصطلحات المعهودة مثل التضامن العربي، والتنسيق والتعاون الاقتصادي، وإطلاق السوق العربية المشتركة، والتعاون في مجال التجارة والاستثمار، وستُقرأ الفاتحة على روح “ميثاق الشرف الإعلامي العربي” الذي تبنته الجامعة العربية قبل عدة سنوات.

والمعروف أن هذه القمة تنعقد في جو تأزمت فيه العلاقات، بشكل أشد، مع دولتي الجوار؛ إيران وتركيا، اللتين تسعيان إلى التمدد وملء الفراغ وتثبيت دورهما على حساب المصالح العربية بعد أن تراجع الدور العربي عن حل الأزمات والمشكلات في المنطقة.

وقد كانت قضية فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني والصراع العربي الإسرائيلي تحظى، في القمم العربية السابقة، بقدر من الاهتمام وقدر من التوافق، على الأقل في البيانات الختامية، إلا أنه من المتوقع أن تصبح هذه القضية، في قمة تونس، مصدرًا لمزيد من الاختلاف والانشقاق وعرضة للتجاذب والمزايدات، وأن تصبح أكثر تعقيدًا بالنسبة للقادة العرب على ضوء قرار صديقنا وحليفنا الرئيس الأميركي دونالد ترمب نقل السفارة الأميركية إلى القدس واعترافه بسيادة إسرائيل على الجولان، وأيضًا على ضوء الضبابية التي تلف مشروع “صفقة القرن الأميركية” التي، إن تحققت، ستدمر أية أسس لحل عادل للقضية. وعلى كل حال فإن هذه القضية لم تعد على رأس أجندة القضايا الملحة التي تستدعي الاهتمام والمعالجة العاجلة.

ولا يبدو أن القمة ستتمكن من اتخاذ قرار بعودة سوريا إلى عضوية الجامعة العربية، فمواقف الدول العربية متضاربة ومتناقضة حول هذه المسألة بين موافق ومعارض؛ وعليه فإن المتوقع أن تبقى سوريا بعيدة عن الصف العربي وأن عودتها ستظل مرهونة بجملة من الشروط والاستحقاقات، مع أن نظام بشار الأسد ليس مستعدًا لمقايضة علاقته بإيران بالعودة إلى الجامعة العربية.

ولا يتوقع أن تتمخض اجتماعات القمة عن حل للوضع الشائك في ليبيا التي انزلقت الأحوال فيها إلى مستويات صعبة ومتردية من التعقيد، بحيث أصبحت هذه الدولة تواجه احتمالات التقسيم. والحالة في اليمن مقلقة ومؤلمة، والوضع فيها صار مرتبطا بصراعات إقليمية حادة جعلت كل المحاولات الدولية لحل هذه القضية تبوء بالفشل. ولن تستطيع القمة الاقتراب من الشرخ الخليجي المتمثل في استمرار تمسك كل أطراف “الخلاف القطري” بمواقفها، وخلو الأفق من أية بارقة لحل هذه الأزمة.

وماذا تستطيع القمة أن تفعل أو حتى أن تقول بشأن العراق الممزق؟ فليس لدى أية قوة أجنبية النية للهجوم عليه أو اجتياحه مرة أخرى حتى تبادر القمة بتأييدها ودعمها!!

نتمنى أن تثبت القمة التي ستنعقد اليوم في تونس أن هذا الطرح هو في غاية التشاؤم، وبعيد كل البعد عن الحقيقة والصواب، ونتضرع إلى الله العلي القدير أن يوفق قادتنا ويمكنهم من انتشال الإنسان العربي من حالة الإحباط والحيرة وخيبة الأمل التي يعيش فيها ويعاني منها، وأن يهديهم إلى مراجعة وإعادة ترسيم وتوجيه الواقع العربي، والعمل على تجاوز الأزمات المحيقة بنا، وتسوية الخلافات التي تطحننا، والبحث عن افضل السبل لإيجاد مخارج للقضايا الاساسية التي تهدد الدول العربية، وتوحيد الصفوف لمواجهة العنف والإرهاب، وألّا تنحصر أو تقتصر نتائج القمة على التقاط الصور وإصدار بيان ختامي يتضمن الشكر والتقدير والثناء للرئيس وللدولة المضيفة، والأسف أو الشجب أو الاستنكار لكل الممارسات والتجاوزات التي تنال منا وتسلب حقوقنا وتنتهك كرامتنا وتستبيح مقدساتنا.

وعلى الرغم من ذلك، فإن ثمة توجسًا من قبل بعض المراقبين المختصين، لا يجب تجاهله أو التغافل عنه، مفاده أن هذه القمة قد تصبح “ قمة صفقة القرن” أو ما يسمونها بـ “صفعة القرن” على ضوء رغبة صريحة من بعض الدول العربية على جعل هذه الصفقة أولوية على جداول أعمال القمم واللقاءات على أساس أن الاجتماعات والملتقيات الإقليمية التي شهدتها المنطقة العربية مؤخرا، كانت “صفقة القرن” عنوانها الأبرز. فقد شهدت مصر، تحالفا لدول الغاز يضم إسرائيل، وفي الأردن، اجتمع وزراء خارجية البحر الميت لتدارس فكرة “ناتو عربي” بعضوية إسرائيل لمواجهة التوسع الإيراني، أمّا قمة بيروت الاقتصاديّة، فقد قاطعها رؤساء وملوك بسبب حذف “صفقة القرن” والتعاون الاقتصادي مع إسرائيل من جدول الأعمال، والله أعلم

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية