العدد 3827
الأحد 07 أبريل 2019
حرب على الجريمة والإرهاب لا على حرية التعبير
الأحد 07 أبريل 2019

لسنوات عديدة كانت لي، مع بعض من الزملاء الوزراء والمسؤولين المعنيين من دول مجلس التعاون، اتصالات ولقاءات بمنظمات دولية معنية بحقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات الدولية المتواجدة في أوروبا وبالأخص في لندن وباريس وجنيف، إلى جانب اتحادات ومنظمات النقابات العمالية الدولية، بما في ذلك الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب، الذي كان ولا يزال يتخذ من دمشق مقرًّا له، وكنا نلتقي في هذه المنظمات برجال ونساء من العرب والأجانب المخلصين والمتحمسين للمبادئ والأهداف التي كانت تلك المنظمات ترفعها وتنادي بها، وقد كنا نؤكد لهم دائمًا بأننا نكنّ لهم الاحترام والتقدير ونشاركهم الإيمان بالأهداف والمبادئ التي يعلنونها، لكننا نختلف معهم في بعض أوجه التفسير ووسائل وأساليب التطبيق. لم نقل لهم قط إننا نملك الطهارة والعفة والكمال في هذا المضمار حسب معاييرهم، لكننا كنا نرفض الابتزاز والتهديد والانتقائية وازدواجية المعايير في التطبيق، ولا نقبل تَوجُه بعض الدول والقوى لاستغلال الأهداف النبيلة المعلنة والشعارات المرفوعة لهذه المنظمات لأغراض خاصة بهم ولخدمة مصالحهم وأهدافهم غير النبيلة، مجسدين بذلك حكمة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وكرم الله وجهه عندما قال “كلمة حق يراد بها باطل”.

كانوا يحاولون إسكاتنا وكبت حريتنا في التعبير عندما كنا نقول بأننا نريد حريات ملتزمة تتحلى بروح المسؤولية، ولا نريد حريات طائشة منفلتة مُطلقة العنان متحررة من المبادئ والضوابط ومتناقضة، في بعض المواقع والمواضع، مع قيمنا وعاداتنا ومعتقداتنا، ولا نريد حريات لها أذرع طويلة تمتد إلى حريات ورقاب الآخرين، ولها أنياب حادة تنهش في أجسامهم وكرامتهم وسمعتهم وأرزاقهم، لا نريد حريات كحريات الأنظمة الشيوعية أو الاشتراكية، على سبيل المثال، التي كان المسؤولون فيها، في ذلك الوقت، يضعون في أيديهم الحق والحرية للاستيلاء على أموال الآخرين وممتلكاتهم وانتزاعها وسرقتها لجيوبهم تحت ذريعة توزيعها على المحتاجين تطبيقًا لشعارهم الرنان الذي ثبت فشله وإخفاقه والذي يقول: “من كل حسب طاقته إلى كل حسب حاجته”.

قلنا لهم إننا نحترم “حقوق الإنسان” كمبدأ وكقيمة إنسانية نبيلة وليس فقط كشعار براق، ونحن نؤمن بهذا المبدأ ونقدسه انطلاقًا من إنسانيتنا وقيمنا ومعتقداتنا، لكننا لم نكن على استعداد للمقايضة أو المتاجرة به، ولا نقبل أن يستغل لانتهاك واستباحة والتهام حقوق الآخرين وعلى رأسها حق الآخرين في الحياة والعيش في أمان واطمئنان وسلام وفي ظروف تتيح لهم فرصة بناء مستقبلهم وكسب أرزاقهم بشرف وكرامة دون مهاترات أو مزايدات.

كنا نقول لا نريد حريات مفتوحة الأبواب للتعبير عن الرأي دون أطر ومعايير ومقاييس أخلاقية وقانونية حتى لا يساء استخدامها لمضرة وإيذاء الآخرين وحتى لا تتحوّل إلى مفسدة وإلى وسيلة لنشر العداوة والبغضاء والإجرام والرذيلة، فقيل لنا أننا رجعيون متخلفون لا نفقه ولا نعرف متطلبات وآليات العصر الحديث. وقلنا الشيء ذاته عندما تفجرت “ثورة وسائل التواصل الاجتماعي” عندما قيل لنا أنها ستصبح من أهم منابر ومنصات التعبير عن الرأي ومن أبرز وسائل ممارسة الحريات، وهو قول صائب صحيح ولا تجانبه الحقيقة، فهذه الوسائل لها الكثير من المنافع والفوائد والإيجابيات والمزايا، إلا أنها، مثل غيرها من الاكتشافات والاختراعات، لها أيضًا الجوانب السلبية والمضار التي يجب كبحها والتحكم فيها، لقد اتضح بعد وقت وجيز أن الحريات المطلقة للتعبير عن الرأي مهما كانت طبيعته وأسلوبه، ونشر وتبادل المعلومات بغض النظر عن صحتها ودقتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي لها سلبيات تفوق وتطغى بكثير على إيجابياتها، وتبين أنها أصبحت، في الكثير من الأحيان وسائل للعداوة وللتباعد والانشقاق الاجتماعي، وليس التواصل الاجتماعي.

إلا أن سدنة هذه الوسائل والمستفيدين منها أصروا على ضرورة منحها “الحرية الكاملة للتعبير والتداول”، وعدم إخضاعها للرقابة، وقالوا إن هذه الحرية لا تُقيد ولا تُجزأ، وأنه لا يجوز وضع العراقيل والعوائق في وجه تدفق المعلومات وتبادلها، قالوا إن كل من يعارض ذلك هو جاهل فاسد متعسف رجعي متخلف، إلى أن وقعت في أيدينا وجثمت على صدورنا تجربة “داعش” التي تؤكد ارتباط الإرهاب بوسائل التواصل الاجتماعي، فقد كان الدواعش من أوائل الإرهابيين الذين اكتشفوا أهمية هذه الوسائل كأدوات لتنفيذ خططهم وبرامجهم واستراتيجياتهم، فأتقنوا وتفننوا وتفوقوا في أساليب استخدامها واستغلالها كسلاح لتهديد المجتمعات وكوسيلة لنشر رسائلهم وأفكارهم وللدعوة والدعاية لهم، وللتواصل بغرض تجنيد أعضاء جدد وضمهم إلى صفوفهم، عندها بدأت مضار وسلبيات إطلاق العنان لوسائل التواصل الاجتماعي تستشري وتتكشف بشكل أوضح، وتأكد الجميع أن هذه الوسائل وتقنياتها صارت في خدمة الجريمة والإرهاب ومن أخطر أدواتها، وأصبحت وسيلة لنشر وتفشي فكر الإرهاب والتطرف في العالم، وقناة لبث خطابات التحريض على التفرقة والكراهية والعنف، ولديها قدرة فائقة على التأثير على الشباب وتحويلهم إلى متطرفين وإرهابيين وقتلة، وقد كان الغرب يتفرّج في صمت ويرى كيف أن الاستعمال غير المسؤول لهذه الوسائل بدأ يفتت ويفتك بمجتمعاتنا، أو ربما كان يدفع في هذا الاتجاه.

ولقد تأكد اليوم أكثر من أي وقت مضى أن الجريمة والإرهاب أصبحت تعتمد اعتمادًا أساسيًّا على وسائل الاتصال الاجتماعي بما في ذلك فيسبوك وتويتر ويوتيوب، وأصبحت أكثر ارتباطًا والتصاقًا بها، وأصبح لهذه الوسائل قابلية فعالة للتمدد والانتشار السريع لتصل إلى دول نائية ومجتمعات مستقرة ومسالمة آمنة كما حصل في نيوزيلندا في منتصف الشهر الماضي عندما اهتز العالم على صدمة هجوم إرهابي دموي، نفّذه أسترالي عنصري من اليمين المتطرف، خلّف مجزرة رهيبة ذهب ضحيتها 50 قتيلًا من المصلين المسلمين داخل مسجدين، وقد وثق الإرهابي جريمته بالصوت والصورة، وبثها مباشرة من خلال صفحته على فيسبوك، مستخدما تقنية الألعاب الإلكترونية (Game) بشكل احترافي.

وقد طلبت أستراليا، التي يحمل منفذ الجريمة جنسيتها، رسميًّا من اليابان طرح موضوع تشديد الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي في “قمة العشرين” التي ستعقد في أوساكا خلال شهر يونيو المقبل.

وكانت لجنة الإعلام في مجلس العموم البريطاني قد أصدرت، في منتصف العام الماضي، تقريرًا أوصت فيه حكومة المملكة المتحدة بزيادة الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي لحماية الديمقراطية في العصر الرقمي.

في دول مجلس التعاون كنا قد اكتوينا وأدركنا خطورة ودور وسائل التواصل الاجتماعي في نشر جرائم السب والقذف وأعمال الابتزاز وبث الشائعات وتضليل الرأي العام وصولًا لتدمير السلام الاجتماعي، فقررت قمة مجلس التعاون الخليجي في الدورة الثالثة والثلاثين التي عقدت في المنامة في ديسمبر 2012 تكثيف التعاون فيما يتعلق بتبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية في الدول الأعضاء وتشديد الرقابة على الإنترنت وشبكات المعلومات والمواقع الإلكترونية للوزارات.

فتحية للرجعيين والمتخلفين.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .