العدد 3834
الأحد 14 أبريل 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
فن إدارة الألم للعظماء المكتئبين
الأحد 14 أبريل 2019

سأحاول استكمال بحث المجد والاكتئاب، أضع حلا لعظماء المجد أسميه “فن إدارة الألم”، مع تسليط الضوء على مفهوم اسميته سابقا “كوكتيل الحياة”. كي تسعد لابد أن تؤمن بكوكتيل الحياة وجمالها. قراءتي النقدية لفلاسفة وأدباء وعظماء الحضارة أنهم يستسلمون لألم الواقع، وقد يفقدون الأمل.

أعلم أن هناك وجعا، لكن لابد من إدارة فن الألم كي نعيش، وذكرتُ الشاعر الفرنسي بودلير صاحب ديوان أزهار الشر، عانى الحزن ولعل دلال أمه المفرط هو سبب كآبته المستقبلية عندما ابتعدت عنه وتزوجت من آخر، فعاش بودلير اليتم مرتين. كذلك هو الشاعر الذي مات صغيرا آرثر رامبو،  والذي عاش في اضطراباته النفسية وهوسه بالمشاكسة زار الخليج وإفريقيا على امل تغيير الألم، ولكن رصاصة الحب الطائش ساهمت في معاناته الحياتية، وهكذا هو حال حزن غوستاف فلوبير، حيث تم الضغط عليه وجرجر للمحاكم بسبب الرجعية وتخلف الكنيسة في فرنسا بدعوة أن روايته مدام بوفاري كانت تدعو للرذيلة، في حين أنا أراها هي تعكس خطيئة الزوج الذي يهتم بعمله الروتيني، ولا يشاطر زوجته ثقافة الحياة واحتياجاتها العاطفية. وإن حزن الرجل العظيم فيكتور هوجو صاحب إبداعية البؤساء، وأحدب نوتردام ليس لحبه للفقراء فقط، ودعوته للجمهورية في فرنسا، بل لما أصابه من كوارث فقد ابنته وزوجته.

ولعلنا نسأل من منطق فهم سبب اكتئاب عظماء المجد نجد أن هناك أسبابا كثيرة سأعرض بعضها، لكني أجدها غير مبررة للاكتئاب، وقتل الأمل والاستسلام. فخلال دراستي لسيرتهم خلصت أن سبب تعاطي بيتهوفن الخمر وربما المخدرات هو تعملق صورة الأب القاسي الذي كان يضربه على أذنه يوم كان طفلا، وكذلك هو حال الأديب الروسي ديستوفيسكي صاحب إبداعية الجريمة والعقاب، فكان أبوه دكتاتوريا يفرض على أبنائه الصمت الكامل والجلوس امام رأسه عند نومه لطرد الذباب عن وجهه، وكان شرس التعامل مما انعكس ذلك على نفسية ديستوفيسكي في كبره كما هو حال مايكل جاكسون وقسوة الأب.

أما سبب تعاسة الموسيقار تشايكوفيسكي وانتحاره، فهي الخوف من انكشاف هوية الذات وهزيمة الحب. أما ارنست همنجواى الكاتب الأمريكي الشهير، فاعتقد أن تجاربه في الحروب، وتغطيته الصحافية للحرب الأهلية الإسبانية عملت ع تدمير نفسه خصوصا أن العائلة تحمل جينات مهيئة للانتحار، وهذا قادني إلى دراسة فهم التأثير الوراثي للأمراض النفسية، فعالم الرياضيات العظيم جون ناش ظل طوال عمره يعاني انفصاما حادا “شوزفرينيا” حتى أثناء تقلده جائزة نوبل، وقد رزق بولد، والغريب أن ابنه هو الآخر يعاني انفصاما حادا وكأن الأمر جيني. والسؤال وماذا عن بقية العظماء كفرجينيا وولف وتشرشل والأديب الألماني الكبير كافكا وتشاؤمه أو جان جنيه هذا عدا عن الملكة كرستينا وتنازلها عن الحكم؛ بسبب الحب أو تشرد الإمبراطورة الفرنسية أوجيني، وبكاؤها على الأطلال وجمال ذهب مع الريح أو عزوف الملكة إليزابيث عن الزواج أو اكتئاب الأميرة ديانا؛ بسبب صدمة الحب من طرف واحد. لكل سببه، لكن ما أريد أن أركز عليه مهما كانت أسباب الآلام يجب ألا يكتئب الإنسان أو ينسى جمال الوجود، وقوة الخالق، وعليه البحث عن رئات تنفس جمالية جديدة. لكل حزن سبب وبعد سيكولوجي، لكن يجب أن نتسلح بالأمل، ونعمل على ما سميته فن إدارة الألم.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية