العدد 3848
الأحد 28 أبريل 2019
صاحب العظمة سمو الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة... مؤسس ورائد الحداثة والنهضة والتقدم
الأحد 28 أبريل 2019

ليس الهدف من وراء هذا المقال هو المديح والإطراء، وليس في عنوانه أية مبالغة أو مغالاة أو تضخيم، وستُثبت ذلك الحقائق والوقائع المدعومة بالتواريخ والأرقام التي سنورد بعضا منها فقط لضيق المساحة، إنما الهدف من هذه الوقفة هو تبيان وإبراز الحقيقة المتعلقة بعملاق وعلم من عمالقة وأعلام الحداثة والتطور والتنوير في القرن العشرين، الذي سيقف التاريخ أمامه يومًا ما وقفة إكبار وإجلال وتقدير.

وعندما تحدثنا في الأسبوع الماضي عن إشكالية وأزمة الحداثة معنا وفي منطقتنا، وما تواجهه حتى اليوم من صد ورفض ونفور من قبل قوى وتيارات وجدت في الحداثة تحديًا وتهديدًا لقيمنا ومعتقداتنا، ذكرنا أن الأنظمة الحاكمة في الدول الخليجية العربية تبدو في الواقع أكثر انفتاحًا وثقة وأكثر استعدادًا ورغبة لتقبل واحتضان الحداثة من القوى والتيارات الأخرى في المجتمع. وفي هذا الإطار، وقبل أكثر من قرن، يبرز حاكم البحرين المغفور له بإذن الله تعالى صاحب العظمة سمو الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة، عن حق وحقيقة، قامة شاهقة وعلم شامخ من أعلام الحداثة والتنوير والتطوير ليس على مستوى البحرين والمنطقة فحسب، بل على مستوى العالم العربي، ولا مبالغة في ذلك خصوصا عندما نأخذ في الاعتبار الموارد والإمكانات المتواضعة والمحدودة التي كانت متوفرة أو غير متوفرة لديه، وضيق المساحة المتاحة له للحركة في مجتمع صغير يقع في وسط محيط كان غارقًا في أوحال الأمية والخرافة والفقر، وضمن ظروف عصية ومعاكسة، وفي مواجهة قوى الجهل والتخلف وتيارات الرفض والمقاومة في الداخل ومن الجوار، إضافة إلى الظروف والمعطيات والصراعات الدولية التي كانت تحيط به، وإرهاصات الحرب العالمية الأولى وذراعه المربوطة بالتزامات دولية فرضتها هيمنة الاستعمار.

لقد تمكن الشيخ حمد من التغلب على كل تلك الحواجز والمعوقات، وفي الوقت نفسه لم يتخلَ أو يتنكر لجذوره التقليدية المحافظة التي ترتكز على قيم البداوة والصحراء، بل إنه نجح في استنهاضها واستثمارها لتحقيق أهدافه وبرامجه.

تولى المغفور له بإذن الله تعالى زمام الأمور في البلاد منذ تعينه وليًا للعهد في العام 1901م ثم تولى مقاليد الحكم بعد وفاة والده في العام 1932م إلى أن اختاره الله إلى جواره في العام 1942م. وبحنكة وصبر وروية بادر بإحكام عرى العلاقة مع بريطانيا العظمى؛ القوة المسيطرة على المنطقة وقتها ضمن نفوذ الأمبراطورية البريطانية التي لم تكن الشمس تغرب عن حدودها في تلك الفترة؛ وذلك بهدف توفير الحماية وضمان سلامة البلاد وحدودها من أطماع المتربصين وما أكثرهم، ومشيدًا في الوقت نفسه رأس جسر إلى منابع وحقول الحداثة والعلم والمعرفة في أوروبا، وللغرض ذاته قام بخطوة جريئة وغير مسبوقة في المنطقة بالاستعانة بخدمات تشارلز بلغريف، البريطاني الجنسية، في العام 1926م وتوظيفه مستشارًا له ليكون وسيلة لتسهيل التواصل والاتصال بالغرب، وتقديم المشورة حول أفضل السبل للتعامل مع البريطانيين، وقناة لاستقطاب أنظمة الإدارة الحكومية المتطورة في ذلك الوقت.

بدأ سمو الشيخ حمد عهده بالشروع في إرساء دعائم الدولة وبذر بذور الحداثة ضمن جملة من الخطوات والمبادرات والمشاريع التي كانت رائدة على مستوى المنطقة وذات مؤشرات ودلالات وأبعاد مستقبلية وإستراتيجية، منها على سبيل المثال لا الحصر وضع نظام للأسرة الحاكمة، وإنشاء النظام القضائي، ونظام حراسة الشرطة، وتأسيس الموانئ وتوسيع الرقعة الزراعية، ووضع نظام لمصائد الأسماك ومغاصات اللؤلؤ، وبناء جسر الشيخ حمد ليكون أول جسر في المنطقة يشيد فوق الماء، فشملت تلك الخطوات جوانب من التنظيم الإداري والرعاية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية.

وفي عهده أصبحت البحرين رائدة، وفي مقدمة الدول العربية كلها عندما تم تأسيس بلدية المنامة في العام 1919م، وبتوقيع سموه صدر في العام 1924 إعلان عن أول انتخابات في تاريخ البحرين عبر الدعوة لانتخاب عدد من أعضاء مجلس بلدية المنامة جاء فيه: “إلى عموم سكان بلدية المنامة، والملاكين منهم على الخصوص، نخبركم أن مقصد حكومة البحرين إحداث الزيادة في عدد أعضاء مجلس البلدية بانتخاب عشرة أعضاء يكونون منتخبين من قبل الأهالي”.

وقد عمت البحرين في العام 1919م، اضطرابات إثر وقوف تيارات الممانعة، ضد تطبيق القوانين المدنية والجنائية في البحرين، والتي كان معمولا بها في الهند.

ووضع الشيخ حمد بن عيسى على رأس أولوياته التعليم والرعاية الصحية، وهما الثنائي الذي لا غنى عنهما لترسيخ دعائم الحداثة والتنمية، فاهتم بتطوير التعليم وانتشرت في عهده المدارس في مدن البحرين وقراها، وفتحت في عهده الكلية الصناعية في العام 1937، وفي العام 1940م افتتحت الكلية الثانوية، ثم اقتحم منطقة محظورة وقتها وهي تعليم المرأة، الذي كانت تيارات مقاومة الحداثة والتنوير تعتبرها نواة لخراب وضلال المجتمع، إلا أنه أصر على موقفه إيمانًا منه وإدراكًا واستشراقًا مبكرًا لقضية تمكين المرأة.

وبالنسبة للرعاية الصحية، فقد باشر رحمه الله بتدشين شبكة العيادات الصحية ونشرها في مختلف مدن وقرى البحرين، وإنشاء أول مستشفى حديث في منطقة الخليج العربي في العام 1902م، ثم أجاز فيما بعدافتتاح مستشفى الملكة فيكتوريا التذكاري في العام 1905 الذي يعتبر أول مرفق صحي غير حكومي في المنطقة، وفي العام 1937م افتتح مستشفى العوالي وبعدها بعام واحد تأسس مستشفى النعيم الذي ضم قسمًا للنساء.

ولعل من أهم وأبرز إنجازات الشيخ حمد بن عيسى وما ميزه وجعله سابق لعصره وأوانه هو تدشين وانتشار الأندية ومؤسسات المجتمع المدني في عهده، والتي تعتبر من أهم ركائز الحداثة والتقدم، وقد جاء إنشاء هذه المؤسسات مدعومًا بمرافق ومنابر وأنشطة ثقافية وأدبية ورياضية، من أهمها تأسيس نادي البحرين في العام 1937م، ونادي العروبة في العام 1939م، ثم تأسيس النادي الأهلي في العام نفسه. وقد سبق ذلك تأسيس نادي “إقبال أوال” في العام 1913 الذي تم إغلاقه بعد أشهر من افتتاحه على أثر معارضة رجال الدين للفكرة التي اعتبروها منكرا ومفسدة، ولكن في العام نفسه تم افتتاح النادي الإسلامي، وفي العام 1920 افتتح النادي الأدبي، وتأسس المنتدى الإسلامي في العام 1928، إلى جانب غيرها من الأندية والمؤسسات التي لعبت دورا بارزا في تفعيل الحركة الثقافية وتنمية الوعي والحس الوطني.

وفي عهده تم افتتاح أول مكتبة عامة في العام 1913، كما افتتحت في عهده أول دار للسينما في البحرين وفي منطقة الخليج العربي في العام 1938م.

وقد واجه رحمه الله بحكمة وبصيرة اعتراضات التيارات المناوئة للحداثة والتطوير على نشر التعليم، وتأسيس دور السينما والأندية.

وقد تضمن الخطاب الذي ألقاه في شهر مايو من العام 1923م ما يؤكد مدى قناعته وإيمانه بالثقافة كقاعدة أساسية للحداثة والتطور والازدهار، وعزمه على مواجهة قوى الجهل والتخلف، حيث قال “وأنا أعرف كما أنتم تعرفون بأن المدن المختلفة عبر العالم شهدت تقدمًا في الثقافة والازدهار، ولا داعي لبلدنا الحبيب أن يبقى دونه. أقول إنه من مهامي الرئيسة أن أعمل بجهد لازدهار بلدنا الحبيب ونشر التربية والتعليم والخدمات الصحية، ولتشجيع التجارة والزراعة”.

وتأسست غرفة تجارة وصناعة البحرين في عهده في العام 1939م كأول مؤسسة من نوعها تنشأ في منطقة الخليج العربي ممثلة لرجال الأعمال والقطاع الخاص، ومعبرة عن صوت مجتمع المال والأعمال بأنشطته وقطاعاته المختلفة.

وشهدت البحرين في عهده توسعًا في بناء المساجد والحسينيات، وبني الجامع الكبير ومسجد الجمعة في المنامة، واهتم بالمحافظة على أول مسجد بني في البحرين، وهو مسجد الخميس التاريخي، وأمر بترميمه في العام 1928م.

وحرص سموه على تأكيد وترسيخ قيم التعايش والتسامح بين أتباع مختلف المذاهب والطوائف والأديان، وضمان الحرية لهم للتعبد وممارسة طقوسهم الدينية بكل طمأنينة وأمان، فكان رائدًا في هذا المجال أيضًا، واستمر في توفير الحماية والرعاية لمعبد شري كرشنا، وهو أول معبد هندوسي بني في البحرين ومنطقة الخليج العربي الذي احتفل مؤخرًا بمرور مئتي عام على تأسيسه.

وبنيت في العام 1911م أول كنيسة في البحرين والخليج العربي، وهي الكنيسة الإنجيلية الوطنية، كما منح سموه الكنيسة الكاثوليكية أرضًا لبناء كنيسة عليها في مدينة المنامة، وفي العام 1930م بني الكنيس اليهودي في المنامة أيضًا.

وقد كشف الشيخ حمد عن حصافة ووعي مبكر وغير مسبوق في المنطقة لأهمية ودور الإعلام في خلق مناخ مهيئ لعملية التنمية والتحديث عندما قال بمناسبة افتتاح إذاعة البحرين في العام 1940م: “إن تأسيس هذه الإذاعة الجديدة ينيلنا بهجة عظيمة، وذلك أننا نعتقد أنها ستكون مهمة لأبناء الخليج، ولأننا أيضًا نعتقد أنها ستقوم بأوسع من ذلك، حيث إنها ستحسن علاقاتنا الطيبة مع جاراتنا الممالك العربية”. كما أن عهده شهد إصدار أول جريدة في البلاد، وهي “جريدة البحرين” التي أصدرها المرحوم عبدالله الزايد في شهر مارس من العام 1939م.

وفي عهده بدأ التنقيب عن النفط وعثر عليه في سنة 1932م، وقد كان أول عثور للنفط في شبه الجزيرة العربية، كما تأسست شركة لاستخراجه وتصديره، فدخلت البلاد بدلك عصرًا جديدًا مكن الحاكم الطموح من الاستمرار في تنفيذ برامجه التحديثية والتنويرية والتنموية.

لقد كان الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة بالفعل حاكمًا وقائدًا حكيمًا واعيًا مدركًا مستنيرًا متحليًا بالرؤية الصائبة والجرأة والشجاعة والإقدام، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية