العدد 3911
الأحد 30 يونيو 2019
حول الإهمال والتقصير والأخطاء الطبية
الأحد 30 يونيو 2019

أمر إيجابي يثلج الصدر ويدعو للفخر والاعتزاز أن تتفاعل مختلف مكونات ومنابر المجتمع البحريني مع الخبر الذي نشر في الآونة الأخيرة عن السيدة البحرينية التي تعرضت، للأسف الشديد، إلى مضاعفات خطيرة قد تودي بحياتها بعد أن أجريت لها عملية جراحية في مجمع السلمانية الطبي، مما دعا أهلها وذويها إلى لوم الأطباء والمعنيين بالمجمع واتهامهم بالإهمال والتقصير والخطأ الطبي؛ فاشتعلت نتيجة لذلك وسائل التواصل الاجتماعي لترمي بسهامها وتقذف بحممها المسؤولين بوزارة الصحة  قبل إجراء أي تحقيق للحادث، ناهيك عن ظهور نتائجه، كما أن أعضاء مجلس النواب، المتلهفين إلى استجواب أي وزير انتفضوا وسارعوا بالمطالبة باستجواب وزيرة الصحة.

ليس في هذه المقدمة أي رائحة لمحاولة تهوين ما حدث للسيدة المنكوبة العزيزة علينا جميعًا، أو الاستهانة بمشاعر أهلها وذويها، أو الدفاع عن المسؤولين بوزارة الصحة، أو نفي لاحتمال وقوع إهمال أو تقصير أو خطأ طبي راحت هي ضحيته، فالمسؤولية الملقاة على عاتق القائمين على المرفق الصحي في البلاد هي في غاية الأهمية والخطورة، وتتعلق بصحة الناس وحياتهم، ولها جوانب إنسانية وأخلاقية ومهنية وقانونية، مما يفرض استمرار اليقظة وضرورة متابعة ورصد أداء هذا المرفق، وعدم التغاضي والتهاون مع أي طرف أو فرد يعمل فيه عن أي خطأ يرتكبه أو أي تقاعس أو تقصير يقع من جانبه أثناء أداء واجبه، بحيث لا يمر أي خطأ أو تقصير دون محاسبة وعقاب بعد أن يخضع للتحقيق والتمحيص من جانب جهة متخصصة محايدة وبعد أن يصدر في شأنه حكم قضائي قاطع.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها أحد المرضى لمثل هذه الحوادث في مجتمعنا ولن تكون الأخيرة، وما يجب التأكيد عليه هو أن الجميع يتعاطف مع المريضة وأهلها ويقدر كل التقدير مرارة معاناتهم، إلا أن الواجب يحتم في مثل هذه الحالات عدم الاستسلام لعواطفنا والاستعجال في الاستنتاج وإطلاق الاتهامات والأحكام والتريث لحين إجراء التحقيقات وظهور نتائجها.

إن الكثير من أوجه الإهمال والتقصير والخطأ الطبي تقع ضمن تصنيف الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالغرامة والحبس؛ لذلك يجب أن نكون حذرين ومتيقنين قبل توجيه مثل هذه التهم التي تؤدي في كل الأحوال إلى الإساءة إلى سمعة الطبيب أو تدميرها، وهذا ما يفرض الحاجة إلى تعزيز الوعي المجتمعي بحقوق ومسؤوليات المريض والطبيب والمؤسسة الطبية التي توفر الخدمات العلاجية، والحاجة أيضًا وبشكل خاص إلى ترسيخ الإيمان والثقة بالطبيب البحريني أو الوافد، فالطبيب هو رمز من رموز التضحية والتفاني والعطاء، ويجب أن يتمتع بكل صنوف التقدير والاحترام وأن توفر  له الظروف الملائمة التي تمكنه من أداء واجبه إلى جانب الحماية اللازمة والحصانة من الإساءة والتشهير والتجريح والتشكيك في كفاءاته ومهاراته التي قد يتعرض لها دون وجه حق.

إن إمكانية وقوع الخطأ أو الإهمال أو التقصير واردة في  حقل الخدمات الطبية وليست غريبة أو شاذة أو مستبعدة، بل إنها قابلة للتكرار، وهي تحدث دائمًا في أعرق المؤسسات الصحية والمستشفيات وفي أكثر الدول تقدمًا، حيث تحدث فيها أخطاء طبية مروعة تودي بحياة الكثير من المرضى، وتسبب إعاقات جسيمة لآخرين، إلا أن نسبتها في البحرين ولله الحمد هي أقل بكثير من النسبة العالمية المرصودة والمؤكدة التي تتراوح بين 5 و10 %، فليس هناك إنسان معصوم أو منزه من الغفلة والسهو والخطأ والذي يجب أن يحاسب عليه.

وقد توصلت التجارب الإنسانية في هذا الشأن إلى بلورة منظومة من الوسائل والآليات التي تتيح التصدي والتعامل مع مثل هذه الحالات؛ بهدف حماية المريض وتقليص إمكانيات حدوث التقصير والخطأ ومساءلة ومحاسبة ومعاقبة مرتكب أي منها في حال ثبوت ذلك.

إن الأجهزة المعنية في الدولة مدعوة، وفي أسرع وقت ممكن إلى مراجعة وتطوير شبكة الأنظمة والإجراءات والقوانين التي تعزز منظومة الحماية الصحية وتحكم الممارسات الطبية بحيث تحقق التوازن العادل بين حقوق ومسؤوليات المريض والطبيب في آن واحد، وذلك بعد أن نجحنا وفي وقت قياسي وبإمكانيات متواضعة من تأهيل كوادر وأطقم وطنية طبية مؤهلة ماهرة متميزة ومتخصصة في مختلف علوم وأفرع ومجالات الطب وتحظى بتقديرنا واعتزازنا وفخرنا، إلى جانب توفير مستشفيات ومرافق طبية مجهزة بأحدث الأنظمة والأجهزة والمعدات.

وعلى ضوء مثل هذه الحوادث وما تفرزه من ردود فعل، فإن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة النظر ومراجعة القوانين أو القانون الساري والنافذ والمتعلق بالحماية الصحية في البلاد؛ بهدف تطويره والارتقاء به لمواكبة المستجدات وللاستفادة من تجاربنا السابقة ومن التجارب الناجحة في الدول المتطورة ولكي يعالج الكثير من القضايا الجوهرية التي من شأنها توفير الحماية والاطمئنان للمريض والطبيب ويعزز الثقة بينهما.

إن المراجعة المقترحة يجب أن تهدف إلى سد الثغرات إن وجدت في القوانين السارية وإلى تنظيم العلاقة بين مقدمي الخدمة الطبية والمستفيدين منها، ويتعاطى مع حقوق ومسؤوليات المريض والطبيب والمؤسسة الطبية، وأن يوفر الحماية للطبيب، إلى جانب توفير العدالة لضحايا الإهمال والتقصير والأخطاء الطبية، ويقلّل من تلك الأخطاء، مما يؤدي في النهاية إلى إحداث نقلة نوعية في الخدمة الطبية.

ولاشك أن المسؤولين عن القطاع الصحي يدركون ضرورة توضيح الفرق بين مفاهيم الإهمال والتقصير والخطأ الطبي والمضاعفات الطبية بحيث يأتي ذلك التوضيح منسجمًا ومتوافقًا مع المقاييس والمعايير الدولية، إلى جانب إعداد سجل لتوثيق الأخطاء الطبية؛ بهدف ضمان عدم تكرارها، وتأسيس صندوق لتعويض المتضررين وضحايا الأخطاء الطبية، أو توفير باقة من التغطيات التأمينية.

وللوقاية من الخطأ الطبي، وضمان التطبيق العملي يجب أن ينص القانون، من بين أمور أخرى، على وضع آلية واضحة للتحقيق في الخطأ وأيضا آلية للتعويض عنه، ويشمل ذلك إعداد ملاحق ولوائح لإنفاذ القانون بما في ذلك وضع الأنظمة والضوابط المسماة بـ “البروتوكولات الطبية” التي تتفق مع معايير المنظومة الصحية الدولية والتي تُفرض على الأطباء والمستشفيات ومقدمي الخدمة الطبية الالتزام بها ويتم على أساسها تقديم الخدمة الطبية للمريض ومعرفة حدوث الخطأ الطبي من عدمه.

وعلى المسؤولين، بموجب قانون نافذ إلزام المستشفيات والعيادات والمؤسسات التي تقدم خدمات صحية بتوفير غطاء تأميني للأطباء يحميهم في حالة وقوع خطأ طبي ويعوّض المريض وعائلته في حال حدوث ذلك، دون إعطاء الطبيب حصانة كاملة مبالغ فيها ودون إخلاء طرفه من المسؤوليات الجنائية، بل تشديد القوانين الجنائية لتكون رادعة. والمعروف أن الخطأ الطبي لا يكون جنائيا إلا إذا كان خطأً جسيما وفيه خروج عن قواعد العمل الطبي المهني، أو “البروتوكولات الطبية”، ولذلك يجب أن ينص القانون بكل وضوح على الحالات الجزائية في الأخطاء الطبية. أما الخطأ الطبي العادي، فهو خطأ مدني ويتم التعويض عنه مدنيا عن طريق الغرامة أو التوقيف عن مزاولة المهنة لمدة محددة بحجم الخطأ الذي ارتكبه الطبيب، وغيرها.

ولتحقيق مزيد من الإنصاف، فإن ثمة ضرورة لتحسين ظروف وبيئة العمل بالنسبة للطبيب، وكما ذكرنا، فإن الدولة قامت مشكورة بتوفير أحدث المرافق العلاجية وتزويدها بأحدث الأنظمة والأجهزة والمعدات؛ لكي يتمكن الطبيب من أداء واجبه وإنجاز مهامه على أكمل وجه، كما تم فتح المجال للمستشفيات الخاصة لتدخل في سباق لتوفير الخدمات الصحية المتطورة للمواطنين والمقيمين، ولم يبقَ سوى زيادة الاهتمام بتحسين ظروف وبيئة العمل بالنسبة للطبيب، فلا يجوز تحميل الطبيب المسؤولية إلا بعد التأكد من توفر البيئة والظروف المواتية، وبالإضافة إلى تحديد ساعات العمل ينبغي النظر في تخفيف ضغط العمل بتحديد عدد الحالات التي يقوم الطبيب بمعالجتها؛ تجنبًا للإرهاق الذي يسبب الإرباك ويزيد من احتمال وقوع الخطأ.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن الخطأ قد يكون ناتج عن أسباب إدارية أو نقص في الأدوية أو الكوادر المساندة والمتابعة، أو غياب منظومة الإجراءات الطبية المعمول بها في المؤسسة أو عدم وضوحها.

مرة أخرى نرجو من الله العلي القدير أن يمن على المريضة العزيزة بالصحة والشفاء العاجل، وأن يقر أعين أهلها وذويها بسلامتها، مقدرين اهتمام ومتابعة المسؤولين بوزارة الصحة بكافة مستوياتهم بهذه الحالة، ومتمنين لكافة المعنيين بالقطاع الصحي في البلاد التوفيق والسداد، داعين الله بأن يعينهم على أداء مهامهم المقدسة على أحسن وجه وأكمله مع الإيمان بأن الكمال لله وحده.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية