العدد 3925
الأحد 14 يوليو 2019
في ذكرى كارثة حزيران
الأحد 14 يوليو 2019

حديث اليوم موجه إلى شباب هذا الجيل الذين لا يعرفون الكثير وربما لم يسمعوا عن كارثة حلت بنا، نحن العرب، سميناها تخفيفًا بـ “نكسة حزيران 67”، الذي يصادف هذا الشهر مرور 52 عامًا على ذكراها المخجلة المؤلمة، ولنبدأ من على كراسي مقاهي المنامة والمحرق! نعم كراسي مقاهي المنامة والمحرق.

ففي عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي شهدت البحرين توسعًا ملحوظًا في عدد المقاهي، وإن كان محدودًا جدًا ومحصورًا في مدينتي المنامة والمحرق، وكان من أبرز هذه المقاهي “قهوة بوضاحي” بالمنامة و “قهوة بوخلف” بالمحرق، وازداد نتيجة لذلك عدد روادها، وعلى خلاف الكثير من الدول والمجتمعات فلم يُنسب إلى مقاهي البحرين أي دور أو مساهمة أو إفراز أدبي أو فني أو سياسي، لكن هذه المقاهي صارت دون شك مرآة للحراك الاجتماعي تعكس نبض ومزاج الناس البسطاء ومشاعرهم ومواقفهم، وعاملا من عوامل حفظ التاريخ والمحافظة على أصالة وخصائص وعراقة التراث.

أتذكر ورأيت بأم عيني وأنا صبي أو شاب صغير، كما رأى غيري، في مقاهي المنامة والمحرق عندما كان الرئيس الراحل جمال عبدالناصر يلقي خطبه الحماسية الرنانة من خلال محطة “صوت العرب”، كان الصمت والهدوء والوجوم يخيم على الجميع لكي يستطيعوا أن يسمعوا دون أية مقاطعة أو إرباك وبكل تفاعل وإصغاء ما كان يقوله الرئيس المفوه، فعندما يخطب الرئيس جمال عبدالناصر تستطيع أن تسمع في مقاهي البحرين الشفاه وهي ترشف الشاي، وكركرة الأرجيلات أو “القداوة”، ورنين أكواب أو “استكانات” الشاي حين تقرعها الملاعق الصغيرة عند مزج السكر بالشاي.

لا تسمع صوتا لأحد إلا صوت القائد البطل وهو يصدح ويلعلع، بكل بلاغة واقتدار، ويتباهى ويتفاخر بما حققته “الثورة المصرية” المجيدة من انتصارات وإنجازات وما حققه الشعب المصري من مكتسبات واختراقات بفضلها، ويتغنى بالأمجاد السحيقة الغابرة للأمة العربية الواحدة “ذات الرسالة الخالدة”، ويُمني الجماهير العربية المتلهفة ويعدهم باستنهاض هذه الأمة لتحقيق مستقبل مشرق زاهر بعد أن تتم الإطاحة بالأنظمة العربية المتخلفة الفاسدة، ويتم التخلص من ملوكها وحكامها، وتتوحد هذه الأمة تحت مظلة وراية قيادة ثورية اشتراكية وحدوية وما شابه من الحشو والهرج والمرج المطعم بالشتائم وعبارات التحقير واتهامات الخيانة والعمالة في حق الملوك والحكام والمسؤولين العرب، ليتبعه المذيع أحمد سعيد بصوته الجهوري المميز ليصهل ويتباهى هو الآخر بانتصارات وفتوحات موهومة، ثم يزبد ويرعد ويهدد بزوال الأنظمة العربية الرجعية الحاكمة وزوال إسرائيل والإمبريالية.

قبل 52 عامًا، وبالتحديد في الخامس من يونيو/‏‏‏ حزيران 1967 صفق وهتف رواد المقاهي في البحرين في المحرق وفي المنامة، وصفقنا وهتفنا معهم بنشوة وفرحة وحرارة وحماس عندما كان المذيع أحمد سعيد يعلن بأعلى صوته وبكل ثقة عن عشرات أو مئات الطائرات الحربية الإسرائيلية التي اخترقت الأجواء المصرية في ذلك اليوم، وكانت تنوي قصف المدن والأهداف المصرية فتصدت لها الدفاعات الجوية وجعلتها “تتساقط كالذباب”، ويعلن كذلك عن فيالق القوات المسلحة العربية الباسلة وهي تخترق وتجتاز وتكتسح الحدود الإسرائيلية على الجبهات والمحاور المصرية والأردنية والسورية وتحطم الدفاعات والتحصينات الإسرائيلية وتستعيد المدن الفلسطينية المحتلة الواحدة تلو الأخرى وتزحف بسرعة مذهلة لكي تطبق “كالكماشة” على تل أبيب، لقد حان وقت إلقاء اليهود في البحر!

نشبت هذه الحرب بعد أن طالب الرئيس جمال عبدالناصر بسحب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة من منطقة الحدود المصرية الإسرائيلية في سيناء، وهي القوات التي وُضعت بعد العدوان الثلاثي على مصر العام 1956، ثم قام بإغلاق مضيق جزيرة تيران في البحر الأحمر أمام الملاحة الإسرائيلية، وهو المنفذ الوحيد لإسرائيل في البحر الأحمر وهذا ما اعتبرته إسرائيل إعلانًا للحرب.

وقد قال الرئيس جمال عبدالناصر (رحمه الله) إن هدف حرب يونيو 67 أو حرب الأيام الستة أو كما سميناها تخفيفًا نكسة حزيران، هو “إزالة آثار العدوان الثلاثي” الذي تعرضت له الشقيقة مصر في العام 1956، ولم يكن رواد المقاهي في البحرين ولا الشعوب العربية على علم، ولم يقل لهم أحد من قبل، إن العدوان الثلاثي كان قد ترك آثارًا يتوجب إزالتها، كنا قد صدقنا بأننا قد تمكنا من دحر ذلك العدوان الغاشم وهزمنا بريطانيا وفرنسا وإسرائيل وحققنا نصرًا تُرفع له الرؤوس والهامات.

ومن دون أدنى شك فإن الرئيس جمال عبدالناصر (رحمه الله) خرج من أزمة السويس أو حرب العدوان الثلاثي بهالة شامخة ساطعة ورصيد إعلامي ضخم جعل نجمه يتألق وعزز مكانته وسمعته بين شعوب الدول العربية ودول العالم الثالث، إلا أن الحقيقة التي أدركناها لاحقًا هي أن الكاسب والرابح الأكبر من حرب “العدوان الثلاثي” كانت إسرائيل التي نجحت في فك الخناق عنها وتأمين وضمان حرية مرور سفنها بخليج العقبة “مضيق تيران” وقناة السويس بعد أن كانت مصر منذ عهد الملك فاروق قد أحكمت الخناق على سفنها وأعاقتها عن عبور القناة والمضيق على أساس أنها تعتبر نفسها في حالة حرب معها، ورفضت مصر قرار مجلس الأمن الصادر في نوفمبر 1951 للسماح للسفن الإسرائيلية بالعبور.

وباختصار شديد فإن جذور أزمة السويس بدأت بالظهور بعد أن توترت علاقات عبدالناصر بالدول الغربية بسبب أمور عدة أهمها معارضته لخطط هذه الدول في المنطقة، ودعمه لحركات التحرر، ووقوفه ضد إنشاء حلف بغداد، واعترافه بالصين الشعبية، وتعاونه مع الاتحاد السوفييتي وإبرام صفقة أسلحة معه، ورفضه الصلح مع إسرائيل طبقًا لشروط الغرب وإعلانه العداء والمواجهة معها وتضيّق الخناق على سفنها في قناة السويس وخليج العقبة، ما حدى بالولايات المتحدة وبريطانيا سحب موافقتهما على تقديم منح وقروض لمصر عن طريق البنك الدولي لتمويل مشروع السد العالي الذي كان عبدالناصر يطمح منه أن يحقق طفرة زراعية وصناعية في مصر، فرأى في تأميم قناة السويس فرصته الوحيدة للحصول على التمويل اللازم لبناء السد، وبالفعل وبطريقة استعراضية أعلن في 26 يوليو 1956 قرار التأميم، قبل انتهاء مدة الامتياز الممنوح لشركة قناة السويس باثني عشر عامًا فقط، إذ كان الامتياز سينتهي في 17 نوفمبر 1968 وتعود ملكية القناة بالكامل للحكومة المصرية.

اعتبرت بريطانيا وفرنسا أن تأميم القناة يشكل بكل وضوح خرق لاتفاق دولي ومصادرة وانتهاك لحقوق المستثمرين وتهديدًا للحياة الاقتصادية في أوروبا، وهو إجراء يجب التصدي له حتى لو لزم الأمر استخدام القوة العسكرية، وهذا ما حصل بالفعل، حيث شنت بريطانيا وفرنسا بالتعاون والتآمر مع إسرائيل العدوان الثلاثي الغاشم على مصر بعد أن فشلت وأخفقت كل المحاولات والضغوط الدبلوماسية في ثني عبدالناصر عن قراره.

نعود إلى مقاهي البحرين وحرب العام 1967، فبعد الأيام الستة التي استغرقتها الحرب أفاق رواد المقاهي وأفقنا معهم وأفاقت الأمة العربية بأسرها على وقع كالصاعقة التي مزقت أحشاءنا وزلزلت وهزت أركان وجداننا وقضت على الكثير مما اعتبرناه ثوابت ومرتكزات وطنية وقومية، كان الوقع ثقيلًا مؤلمًا، والحقيقة مرة ولاذعة.

فالطائرات الإسرائيلية أو “الذباب” كانت في الواقع قد أغارت في الساعات الأولى من الحرب على المطارات ودمرت الطائرات الحربية وهي جاثمة فيها، واستولى الإسرائيليون على هضبة الجولان الإستراتيجية والضفة الغربية بما فيها القدس الشريف وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء كلها واستطاعوا التحكم بقناة السويس التي أغلقت لـ 6 سنوات ولم يتم تشغيلها من جديد إلا في عهد الرئيس أنور السادات في العام 1975، وحصلت إسرائيل على أراضٍ إضافية تقدر بـ 3 أضعاف ونصف مساحتها.

كان جمال عبدالناصر (رحمه الله) أشجع قادة الدول العربية الثلاث التي خاضت الحرب، أو أنه كان أكبر ممثل عرفه التاريخ، إذ إنه اعترف بأخطائه وهزيمته وأعلن عن مسؤوليته عما حدث وقرر الاستقالة أو التنحي عن الحكم، إلا أن مظاهرات صاخبة غاضبة وحزينة خَرجت أو أُخرجت للشوارع مطالبة الرئيس المهزوم بالعدول عن قراره والاستمرار في الحكم وقيادة الأمة، فاضطر الرئيس مرغمًا وربما مكرهًا إلى الرضوخ والنزول عند رغبة وإرادة الأمة وعاد إلى الحكم!

فهل أخفق جيلنا في فهم واستيعاب دروس وعبر مصيبة أو كارثة أو “نكسة حزيران”؟ ويا لها من نكسة! فقد مرت الذكرى قبل أيام دون أن يذكرها أحد!

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .