العدد 3975
الإثنين 02 سبتمبر 2019
أصداء زيارة تاريخية
الإثنين 02 سبتمبر 2019

الزيارة الرسمية التي قام بها لمملكة البحرين في الأسبوع الماضي رئيس وزراء جمهورية الهند الصديقة ناريندرا مودي كانت ناجحة وموفقة بكل المقاييس والمعايير، بحيث ظلت أصداؤها تتردد في مختلف أوساط ودوائر اتخاذ القرار في دلهي العاصمة. فقد أدت هذه الزيارة إلى توثيق عرى الصداقة بين البلدين وجسدت عمق ومتانة العلاقات والصلات التاريخية التي تربط بينهما، كما عكست إدراك الدولتين وحرصهما على ضرورة توثيق هذه الروابط وتعزيزها لمواجهة التحديات والمستجدات.

وكان ثمة تطابق تام في المواقف ووجهات النظر بشأن جملة من القضايا كان أبرزها إدانة الإرهاب والتطرف بجميع أشكالهما ومظاهرهما، ما يفرض ضرورة تعزيز التعاون والتنسيق لمكافحتهما والتصدي لهما وتبادل المعلومات والاستخبارات في هذا المجال.

وقد تم الاتفاق بين قيادتي البلدين على تطوير وتعزيز التعاون في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتبادل الثقافي وامتد إلى آفاق التعاون في مجالات الدفاع والأمن وحماية ممرات التجارة والنفط واستكشاف الفضاء الخارجي والأمن السبراني بما في ذلك منع استخدام الفضاء الإلكتروني لنشر الإرهاب والتطرف والإضرار بالوفاق الاجتماعي، إلى جانب التعاون في الميادين العلمية وشؤون الطاقة والتكنولوجيا والتعليم العالي.

هذه النتيجة تعني أن زيارة رئيس الوزراء الهندي، وهي أول زيارة رسمية يقوم بها رئيس وزراء هندي للبحرين، أحدثت قفزة نوعية في العلاقات بين البلدين بل إنها هيأت الأرضية ووفرت المرتكز لانطلاق علاقات الهند بالدول العربية في المنطقة من نمطها التقليدي إلى مسار التعاون والشراكة الإستراتيجية، وهو هدف أو مطلب لطالما ارتفعت أصواتنا وأصوات جميع الحريصين على هذه العلاقات منادية بتحقيقه.

وفي كل الأحوال فقد خرجت البحرين من هذه الزيارة بحصيلة وافرة من المكتسبات التي من أهمها بروز مكانتها الاستراتيجية وخصائصها الإنسانية والحضارية، وأصبح أمامها الآن فرصة ومسؤولية أخذ زمام المبادرة وقيادة عملية انتقال العلاقات الخليجية الهندية برمتها إلى مستوى “الشراكة الإستراتيجية”، عندها سترتفع وترتقي مكانة البحرين القيادية في المنطقة.

وقد اكتسبت زيارة رئيس الوزراء الهندي للبحرين أبعادًا تاريخية وإنسانية وحضارية متميزة عندما التقى في قصر القضيبية بعدد من أولاد وأحفاد أقدم جالية هندية في المنطقة، الذين نزح أجدادهم وآباؤهم التجار الهنود قبل أكثر من مئتي عام للاستقرار والإقامة فيها كوطن ثانٍ لهم يمارسون فيه تجارتهم وحياتهم الاعتيادية بكل حرية وأمان، كما التقى السيد مودي بأكثر من 15 ألفًا من المواطنين الهنود المقيمين في البحرين، اكتظ بهم الأستاد الرياضي من الذين يعملون في البحرين في مختلف الأعمال والوظائف ومختلف المواقع والمراكز وينحدرون من مختلف الأديان والأعراق والطوائف بالهند، والذين أضافوا بوجودهم في البحرين مزيدًا من الرونق والبهاء إلى نسيجها الاجتماعي، وعززوا من قيم التعايش والتسامح وقبول الآخر التي يتميز بها المجتمع البحريني، وساهموا ولا يزالون بكل إخلاص في بناء وتشييد صروحها العمرانية والاقتصادية.

أما زيارة مودي لمعبد شريناتجي الهندوسي فقد تصادفت مع الاحتفال بمرور مئتي عام على تأسيسه بوسط مدينة المنامة العاصمة، ليصبح أول وأقدم معبد هندوسي يقام في منطقة الخليج العربي بأسرها، وليقف بذلك مَعلمًا من المعالم الشاهدة على ريادة البحرين وأسبقيتها وتمسكها والتزامها بقيم حرية التعبد والمعتقد والتسامح والتعايش والتعددية وقبول الآخر، وليعكس بكل وضوح جمال وتنوع النسيج الاجتماعي.

لقد لمس وشاهد رئيس وزراء الهند بأم عينيه، ومن خلاله شاهد العالم بأسره أن البحرين قد وفرت ولا تزال توفر الضمانات الكفيلة بتهيئة الأجواء والظروف التي تتيح للجميع التمتع بحقوقهم الدينية وممارسة طقوسهم وشعائرهم بحرية تامة، وإقامة المرافق والمنابر التي تمكنهم من ممارسة هذه الحقوق بكل حرية وأمان من مساجد ومآتم وكنائس للمسيحيين ومعابد لليهود والهندوس وغيرهم، كما تصادفت زيارة السيد مودي لهذا المعبد مع الاحتفال بتدشين مشروع تجديده وتطويره وتوسعته.

وفي إطار علاقة الهند بدول المنطقة فإن للبحرين الأسبقية في إرساء الروابط التاريخية والتواصل الحضاري عندما أصبحت دلمون حلقة الوصل بين حضارة وادي الإندس وحضارة ما بين النهرين قبل أكثر من 5 آلاف سنة، واستقبلت الهند تجار اللؤلؤ البحرينيين عندما كان استخراج اللؤلؤ وتجارته تمثل عصب الحياة والتجارة في الدول الخليجية قبل أكثر من قرن.

والبحرين كانت أول المناطق التي اجتذبت واستضافت رجال أعمال وأسر وبيوتات تجارية هندية نزحت قبل أكثر من قرنين إلى البحرين واستقرت بها وجعلتها رأس الجسر ومركز ومنطلق تجارة الهند في المنطقة في ذلك الوقت، وقبل نيلها الاستقلال استفادت واستقطبت البحرين قبل غيرها من دول المنطقة الكفاءات الإدارية الهندية في قطاعات عدة منها الجمارك والشؤون المالية والخدمات الصحية وغيرها، وبعد الثورة النفطية تمدد هذا التعاون إلى الاستفادة من الكفاءات والمهارات والخبرات والأيدي العاملة الهندية في المجالات كافة.

وكما هو واضح فإن البحرين تجمعها بالهند أعمق الوشائج الحضارية والإنسانية، والصلات التاريخية، والأهداف والمصالح المشتركة، والالتزام بقيم السلم والتسامح والتعايش، والحرص على مبادئ الانتماء والوحدة الوطنية، وهي بذلك مرشحة ومهيأة، كما ذكرنا، لأخذ زمام القيادة والمبادرة لتكون المحطة والمرتكز التي تتبلور فيها وتنطلق منها الجهود والبرامج والأفكار والمشاريع الهادفة إلى تحقيق التكامل والتعاون والشراكة الإستراتيجية بين الهند والدول العربية في الخليج العربي، وهذا الأمر يتطلب الشروع في متابعة وتفعيل ما ورد في البيان الختامي للزيارة، وتكثيف التواصل وتبادل الزيارات بين كبار المسؤولين والمختصين في البلدين، وتحفيز ودعم اللجنة العليا البحرينية الهندية المشتركة وضمان انتظام اجتماعاتها، والتنسيق مع لجنة الحوار الإستراتيجي الخليجي الهندي التي تتخذ من الرياض مقرًا لها وتتولى أمانة مجلس التعاون لدول الخليج العربية تمثيل الدول الخليجية الأعضاء فيها، وتوحيد الجهود والشروع في تنفيذ مشاريع مشتركة في مجالات الدراسات والأبحاث والتطوير، والصناعات المشتركة خصوصا الصناعات العسكرية، والنفط والغاز، والطاقة المتجددة، وتقنية المعلومات، والزراعة والري ومحاربة التصحر، وعلوم الفضاء وغيرها من المجالات الحيوية، والاستفادة من تجارب الهند ومن حجم سوقها الاستهلاكية، إذ يتجاوز عدد سكانها 1.3 مليار نسمة تُكَون الطبقة الوسطى منهم أكثر من سكان دول المجموعة الأوروبية مجتمعة. وبمثل هذه المبادرات والمشاريع تتحقق الشراكة الإستراتيجية بين دول الخليج العربية وجمهورية الهند الصديقة.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .