العدد 4032
الثلاثاء 29 أكتوبر 2019
التظاهرات ومعضلة التنمية في العالم العربي (1)
الثلاثاء 29 أكتوبر 2019

في الكثير من أرجاء العالم العربي، بات مشهد التظاهرات والاحتجاجات الشعبية مألوفاً، يراوح بين الميل إلى العنف والغضب تارة، وبين التعبير عن الرأي عبر أدوات سلمية بل واحتفالية (كما في الحالة اللبنانية) تارة أخرى، وبين هذا وذاك تبقى أسباب الاحتجاج والغضب الشعبي بين عوامل تكاد تكون متشابهة أولها فشل الساسة الطائفيين والسياسات الطائفية في بناء الدول وتوفير أسباب الحياة الكريمة لهذه الشعوب، وثانيها ضعف التنمية وانتشار الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة وربما غيابها تماماً عن الدول التي تشهد موجات الغضب والاحتجاج.

كقاعدة عامة لا تختلف فيها الشعوب مهما اختلفت الجغرافيا وتباعدت المسافات، الناس تحتاج دائماً إلى سياسات اجتماعية واقتصادية تضمن لها حدا مناسبا من العيش الكريم، فالأساس في حياة الشعوب هو الممارسات السياسية ذات الصلة المباشرة والأثر الإيجابي على حياتهم اليومية، وبالتالي فالانتخابات والحريات وغير ذلك من مظاهر الديمقراطية ليست كافية لتهدئة غضب الشارع في حال لم تكن وسيلة أو مدخلاً للتنمية والازدهار الاقتصادي، فلا يعني أن تنظيم انتخابات أو توافر حالة من حرية التعبير وغير ذلك أنها ستكون ضمانة أو “مصلا” ضد الغضب والاحتجاج الشعبي، فهذه كلها لا تحول دون انفجار الغضب في حال لم تتوافر بالأخير للشباب فرص العمل والدخل المناسب ويشعر الجميع بوجود دور تنموي حقيقي للدولة.

هناك أيضاً قواسم مشتركة بين الاحتجاجات التي تجتاح مناطق شتى من العالم في المرحلة الراهنة، منها تآكل الطبقة الوسطى وانحدارها بسبب عوامل تختلف من بلد لآخر، لكنها تؤدي النتيجة ذاتها، وهذه الطبقة هي الركيزة الأساسية للمجتمعات وتراجع دورها واضمحلاله يعني اتساع الفجوة الطبقية بما يعنيه ذلك من نذر الغضب وانحسار مناعة المجتمعات في مواجهة عوامل التفكك والانهيار.

في الحالتين العراقية واللبنانية تحديداً، ظهرت أجيال جديدة تعبر عن غضبها من السياسات الطائفية التي تطغى على المشهد السياسي في هذين البلدين العربيين، ولم يعد الشارع يلقي بالاً لدعوات التهدئة التي يصدرها الساسة الطائفيون، وبات تأثير الفقر والبطالة أقوى من تأثير دغدغة المشاعر والعواطف والسلطة الطائفية التي توجه دفة القرار.

السياسات الطائفية لم تثمر سوى الفشل وغياب هوية الدول بل ومقوماتها الرئيسية، فنجد ملالي إيران على سبيل المثال يتحدثون عن بلد عربي عريق كالعراق وكأنه محافظة من المحافظات الإيرانية التي يسمح لهم فيها بملاحقة أعدائهم من دون مراعاة لوجود حكومات وساسة ومؤسسات تدير هذا البلد!

لا يمكن لشعوب بأكملها أن ترتهن واقعها ومستقبلها لميلشيات تابعة لدول أخرى، ولا يمكن من الأساس لميلشيات أن تأسر هذه الشعوب وترهنها لأجندتها التي تنفذ تعليمات عابرة للحدود والسيادة الوطنية، فهذه أمور لا يمكن لملايين الشباب ممن يتطلعون إلى الحصول على فرص عمل والتطلع للمستقبل، القبول بها. “إيلاف”.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .