العدد 4038
الإثنين 04 نوفمبر 2019
الشراكة الحكومية مع “الخاص” (1-4)
الإثنين 04 نوفمبر 2019

بقي موضوع احتكار الأجهزة الحكومية لتقديم كثير من الخدمات للجمهور محفورًا في أذهاننا منذ أن أدركنا وجودنا على هذه الأرض، وقد ترسّخ في العقل الباطن لكل منا. ولكن، لم يعد الأمر كما كان. فأصبحنا نسمع ونرى كل يوم نماذج ناجحة تروي قصص شراكة حقيقية استطاع القطاع الخاص من خلالها إزاحة كثير من المسئوليات عن كاهل الحكومة.

وفي هذا الإطار، أعتقد إنه من الواجب علينا جميعًا كمستهلكين (أو متلقين للخدمة)، أو كجهات حكومية عكفت على خدمة الجمهور، أو كمؤسسات مدنية راقبت أو نظمت العملية، أو كجهات تنظيمية وضعت الأطر العامة لتقديم تلك الخدمات أن نبدأ مبكرًا في استيعاب التغيير الحاصل بشكل سليم.

هذا الاستيعاب يستوجب تمحيص الوضع التاريخي وظروفه ونتائجه، كما يركز على دواعي التغيير ومنافعه وتدرجه والغاية النهائية من كل هذه العملية.

لقد تغيّرت ممارسات إدارة الدول بشكل كبير جدًّا في السنوات الأخيرة، وتغيّرت معها كثير من المشاهد والمسئوليات وكذلك المسلمات. الجرأة في هذا التغيير كانت واضحة تمامًا، والمخاطر محسوبة بدقّة، والنتائج ماثلة على الأرض.  فالواحد منا اعتاد أن يكون محاطًا بالأجواء والخدمات التي توجدها وتديرها الحكومة بدءًا من المستشفى الذي يولد فيه، مرورًا بالمواد الغذائية والدوائية التي يستهلكها، والمدارس والجامعات التي يتربى ويتعلم فيها، والوظيفة التي يشغلها، والسكن الذي يحتويه، والنظافة العامة التي يحتاجها، والمصحّات التي يتطبب بها، ووسائل النقل العامة التي يستخدمها، والكهرباء والماء التي يستهلكها، وانتهاءً بالقبر الذي يحتضن جسده بعد الموت.

لم تعد تحتمل الحكومات أن تستمر بالقيام بهذا الدور في المستقبل، بل ليس من المجدي أن تطحن رحى الحكومة حبوب المواطن والمقيم، فلا سلمت رحى الحكومة من التعب ولم يهنأ المواطن في مأكله. فقد أطلّ القطاع الخاص برأسه عاليًا وبدأ يثبت للجمهور جدوى إشراكه في الحياة اليومية وفعاليته في إدارة المشهد متى ما توفرت عوامل النجاح، والتجارب في هذا الميدان كثيرة وعميقة ومتنوعة.

إن الحكومات في الدول المتقدمة استوعبت الدرس مبكرًا، فبدأت برصد وتحليل عملية تقديم الكثير من الخدمات التي أدمنت تقديمها في الماضي والبضائع التي دأبت على تصنيعها، وباشرت بطريقة ممنهجة وتدريجية إسناد هذه العملية لأصحاب الاختصاص ضمن برامج حكومية حققت نجاحات منقطعة النظير. الأمر لم يخل من عوائق متعبة، لم تضعف عزيمة تلك الحكومات من بلوغ أهدافها في هذا الميدان.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية