العدد 4099
السبت 04 يناير 2020
نشوء الإسلام السياسي الشيعي المعاصر (1 - 6)
الثلاثاء 03 مارس 2020

النظام الإيراني مثله مثل غيره من الأنظمة التي يتهمها بالازدواجية

الدولة الصفوية استخدمت نفس أدوات الدولة العثمانية في شرعنة رجال الدين حكمهم

توقع الكاتب والباحث السعودي خالد عبدالعزيز النزر أن يكون مصير مشاريع الإسلام السياسي، بنسختيه الشيعية والسنية، إلى الأفول قريباً. وقال إن معارضة الإسلام السياسي لا تعني المعارضة للدين الإسلامي نفسه أو لتشريعاته، مشيرا إلى أن مفهوم الدولة الوطنية الحديثة قادر على استيعاب جميع الأديان والمذاهب وتأطير الأفهام المختلفة للدين بحدود أصحابها. فنحن كمسلمين متفقون على الدين وأهمية تطبيق تشريعاته، ولكننا مختلفون في فهم هذا الدين وفي طريقة التطبيق حتى على المستوى الفقهي البسيط من عبادات ومعاملات، فكيف بأنظمة وإدارة الدول؟.

وذكر النزر أن مواجهة الإسلام السياسي بشكل عام سنياً كان أو شيعياً، تتطلب من الدول عمل ما هو أبعد من الحلول الأمنية، حيث يجب التركيز على الجانب الفكري المنفتح ودعم مبادئ الإسلام الوسطي المعتدل والمتسامح مع الآخر، ونبذ الطائفية وخطابات الكراهية وتجريمها.

أتذكر في الثمانينات، كان العديد من الآباء والأمهات في المناطق السعودية يستيقظون صباحاً على اختفاء أحد أبنائهم، ثم يأتيهم اتصالاً قصيراً منه ليخبرهم بأنه ذهب إلى الجهاد في أفغانستان، بعضهم لم يعودوا بعد تحرير أفغانستان وبقوا منخرطين في تنظيم القاعدة أو التحقوا بأحد التنظيمات التي فرّخها لاحقاً. على الطرف الآخر كان بعض الآباء والأمهات في المناطق الشيعية وخاصة القطيف يستيقظون أيضاً فلا يجدون أحد أبنائهم، ليعلموا لاحقاً بأنه في إيران ملتحقاً بأحد التنظيمات هناك في تلك الفترة مثل منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية أو حزب الله الحجاز أو باقي التنظيمات الشيعية العربية الأخرى التي أسستها إيران أو رعتها. فقد كان الإيرانيون يدربونهم في المعسكرات، وأخذوا الكثير منهم بعد اشتعال الحرب مع العراق للقتال على الجبهات. وكذلك شباب الدول الأخرى من عراقيين قاتلوا ضد بلدهم، أو لبنانيين وبحرينيين وغيرهم.

بعد سقوط صدام ثم أحداث الربيع العربي، وجدنا انفجاراً كبيراً للتنظيمات الإسلامية المسلحة السنية والشيعية، والتي تقاتل باسم الله والإسلام أو الصحابة أو أهل البيت. مثل الدولة الإسلامية، الجبهة الإسلامية، جيش النصرة، جيش المجاهدين، جيش الأنصار، جيش الراشدين، جيش المهدي، جيش الإسلام، حراس الدين، حزب الله، أنصار الله، أنصار السنة، أنصار الحق، عصائب أهل الحق، أنصار الشريعة، أنصار التوحيد، لواء التوحيد، لواء الصحابة، لواء الفتح، أحفاد الرسول، كتائب السجاد، كتائب زيد بن علي، كتائب علي الأكبر، الفاروق، خالد ابن الوليد، النجباء، الإمام البخاري، أبو الفضل العباس، فاطميون، زينبيون، سرايا الأشتر، سرايا المختار، وغيرهم من الأسماء، يَقتلون ويُقتلون باسم الله وباسم الشريعة الإسلامية الحقة، فأي منهم هو ممثل الإسلام والشريعة الحقة!؟.

هناك من يتحدث عن دور للمخابرات العالمية أو دعم بعض الدول الإقليمية، وهذا كله موجود بالطبع. وهناك من يتحدث عن الطائفية وخطابات الكراهية، وهذه أيضاً كلها موجودة ومنذ أكثر من ألف عام وليس من اليوم. النقطة الأعمق بنظري هو: ما هي الفكرة السياسية التأسيسية لكل تلك التنظيمات؟. كانت المنهجية الإيرانية في رعايتها للتنظيمات الشيعية قائمة على إظهارها كقوى تحرر وطني أو أقلية مظلومة تريد الإطاحة بحكوماتها أو الحصول على حقوقها الوطنية، وهذا ما ركز عليه مشروع تصدير الثورة الإيراني المذكور في دستورها، وكذلك رفعت إيران شعار نصرة المظلومين والمستضعفين في الأرض، وكانت التنظيمات الخليجية بالتحديد تلوح بهذه الشعارات من منطلق أنهم شيعة يعيشون الاضطهاد والظلم والتمييز تحت حكومات سنية.

والحقيقة أن شعارات المظلومية والحقوق الوطنية، كانت مجرد أوراق ترفع للجماهير العامة وللمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية، أما العمل الحقيقي على الأرض فقد كان مؤسساً على مشروع أيدلوجي مذهبي حتى النخاع، بعيداً كل البعد عن الوطنية والمواطنة أو الاعتراف بأيّ من دولهم وسيادتها السياسية، هذا يتضح من الخطابات والأنشطة التي تشعبت في مختلف الدول والقارات تحت مسمى التبليغ وهو بالأصح نشر التشيع وغالباً بين السنة، ويتضح من الثقافة السائدة داخل تلك التنظيمات وكذلك في ما كانوا يكتبونه في مجلاتهم ومنشوراتهم، وما كُتب لاحقاً كمذكرات من بعض منسوبيهم الذين أعلنوا التحول الفكري عن مشروعات الإسلام السياسي الشيعي. فمثلاً كان أحد قيادات تلك التنظيمات يقول: إن إقامة الجمهورية الإسلامية في جزء محدود من العالم الإسلامي إيران- لا يرضي طموحات المؤمنين ولا يحقق كل أهدافهم المقدسة... فالهدف النهائي هو إقامة حكومة الألف مليون مسلم ... يمكن اعتبار الجمهورية الإسلامية إيران- بداية الطريق وأول الشوط ومنطلقاً للمسيرة الإسلامية، (مجلة الثورة الإسلامية / ع:72 / مارس 1986م). ثم كيف لجماعات تدّعي أنها معارضة وطنية أن يحارب أفرادها مع جيش دولة ضد دولة أخرى وهم ليسوا من هذه ولا تلك!؟ أو أن يشارك مثلاً سعودي أو عماني بمحاولة إنقلاب في دولة أخرى! كالبحرين؟. ومن ناحية ثانية فهل على سبيل المثال الميليشيات الشيعية العراقية أو اللبنانية الموالية لإيران والتي قاتلت في سوريا مؤخراً، كانت مضطهدة مذهبياً في بلدانها هي الأخرى!؟. وأخيراً في هذه النقطة، هل إيران فعلاً تنصر المظلومين والمستضعفين في الأرض؟ فيما يسمى بـ الربيع العربي دعمت وناصرت المعارضين والمتظاهرين الشيعة في الخليج، فماذا كان موقفها في سوريا؟، وماهو موقفها مؤخراً من متظاهري لبنان والعراق الذين شكَوا ظلم وفساد السلطات والأحزاب الحاكمة في بلادهم؟ بل وموقفها من متظاهري إيران نفسها؟ ألم يخوّنونهم ويصفونهم بالمشاغبين والبعثيين والمتآمرين والممولين من السفارات؟. وبهذا يتضح لنا أن النظام الإيراني مثله مثل غيره من الأنظمة التي يتهمها بالازدواجية، ولا يدعم إلا ما يخدم مصلحته فقط، الفرق فقط هو أنه يتحدث باسم الله والإسلام وأهل البيت.

لقد شاهد العالم كيف أن بعض الشباب الشيعة في العراق هتفوا ضد سيطرة إيران على القرار في بلادهم، وبعضهم أحرقوا صور الخميني وخامنئي التي نصبت في شوارعهم، والقنصليات الإيرانية في مدنهم، وإن كان المتأرينون وصفوا هؤلاء بالعمالة والحماقة أو أنهم محسوبون على تيار معين في العراق عرف بالمشاغبة ضد النفوذ الإيراني، ولكن رغم عدم تأييدنا لحرق السفارات والقنصليات والتعدي على البعثات الدبلوماسية (وهي أساليب عرفناها في إيران بالمناسبة)، إلا أن هذا يعطينا مؤشراً قوياً بأن هناك جيلاً جديداً في المجتمعات الشيعية أصبح يقدم مصلحة وطنه حتى عندما تتعارض مع المصلحة الإيرانية. وللإنصاف فإن هناك من الشيعة العرب من اكتشفوا حقيقة المشروع الإيراني وخطورته منذ البدايات، وتجرأوا على التصريح بذلك مبكراً ولكنهم هُمشوا وأبعدوا عن المشهد، هذا غير الكثيرين من الشيعة الذين ينتقدون السياسات الإيرانية في مجالسهم و قروباتهم الخاصة ولا يجرأون على التصريح بسبب الضغط الاجتماعي والخوف من الإقصاء. وهذه نقطة مهمة للغاية لا بد من التنبيه لها، وهي أننا لسنا هنا بصدد التماهي مع الخطاب الطائفي الذي ساد حول تعميم فكرة عمالة الشيعة وخيانتهم لأوطانهم، كونهم فقط شيعة، فجميع منسوبي ومتبني مشاريع الإسلام السياسي هم في الهواء سواء. ومثلاً كما قاتل عراقيون شيعة من حزب الدعوة مع الإيرانيين ضد بلادهم وأهلهم، فقد قاتل عراقيون سنة من داعش ضد بلادهم وأهلهم واستحلوا الموصل وانتهكوها. وكما قام خليجيون شيعة من حزب الله أو غيره بعمليات إرهابية في بلدانهم، واستهداف لرجال الأمن، كذلك قام خليجيون سنة من القاعدة وداعش بعمليات واستهدافات داخل بلادهم.

لقد صدرت الكثير من الكتب والدراسات التي تناولت تاريخ ونشوء الإسلام السياسي السني المعاصر، إلا أن البحث ما زال متواضعاً على الصعيد العربي حول الطرف الآخر وهو الإسلام السياسي الشيعي المعاصر، حيث ما كتب عنه حتى الآن تركز على التجربة التطبيقية في إيران أو على التجربة السياسية للأحزاب الإسلامية في حكمها للعراق. وسأحاول هنا إعطاء لمحة سريعة ومختصرة للغاية برؤية تاريخية للمرحلة التي نشأت فيها الفكرة التأسيسية للإسلام السياسي الشيعي المعاصر، مقتصراً على المجتمعات العربية، من وجهة نظري وبحسب ما توفر لي من اطلاع وتجارب شخصية.

نبدأ بالفكرة العامة للحكم والحاكم في الدولة الإسلامية. فبالنسبة للسنة، الحاكم الشرعي هو خليفة رسول الله (ص) الذي يبايعه أهل الحل والعقد من الأمة، بدءًا من الخلفاء الراشدين ثم تأسيس المُلك المتوارث على يد الأمويين ثم العباسيين وصولاً للخلافة العثمانية وهي آخر دولة خلافة إسلامية سنيّة. وتعرّف الخلافة بأنها: رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي، أو خلافة شخص من الأشخاص للرسول في إقامة القوانين الشرعية وحفظ حوزة الملة، على وجه يجب اتباعه على كافة الأمة، أو كما قال ابن خلدون: الخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية، والدنيوية الراجعة إليها، فمصالح الدنيا كلها ترجع عند الشرع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، (علي عبدالرزاق، الإسلام وأصول الحكم).

ومن بعد الدولة العثمانية دخلنا في فترة الاستعمار الغربي للأراضي الاسلامية، وكذلك ما قام به أتاتورك في تركيا من إجراءات معادية للدين. كل هذا جعل المسلمين يشعرون بأنهم محاربون في دينهم، وظلوا يحلمون بإقامة دولة الخلافة الاسلامية، وبدأ الكُتاب المسلمون (السنة) بالتنظير لهذه الدولة وطبيعتها، وهكذا تأسست الجماعات السياسية الدينية التي رأت بأن كل التخلف والانحطاط والاستبداد الذي ساد العالم العربي والإسلامي (حسب رأيهم) سببه هو الابتعاد عن الدين وعدم وجود دولة الخلافة الاسلامية، فالإسلام هو الحل!. وعلى رأس هذه الجماعات تنظيم الإخوان المسلمين الذي اجتاحت أفكاره ونظرياته العالم الإسلامي بأكمله بما فيه الشيعة، وظل المسلمون (السنة عموماً) يحلمون بهذا الحل السحري ألا وهو دولة الخلافة.

أما على الجانب الآخر الشيعي فكذلك الحاكم الشرعي لديهم هو خليفة رسول الله (ص) ولكن بدءً بالإمام علي ثم نظام التوارث أيضاً، بالأئمة من ذريته. هذا وقد ظل الشيعة ينقسمون على شرعية كل إمام بعد وفاة الذي قبله، فوُجدت عشرات الفرق الشيعية في التاريخ الإسلامي، وما يعنينا هنا هو المذهب الجعفري (الإثناعشري) الذي يتأسس الفكر السياسي لديه على أن الحاكم الشرعي للدولة الإسلامية بل للعالم بأكمله هو الإمام المعصوم، وبالتالي بعد الإمام الثاني عشر لم يعد هناك دعوة سياسية لإقامة الدول الدينية، فلا دولة شرعية إلا دولة الإمام المهدي الذي سيظهر في آخر الزمان، بل ولا جهاد ولا حتى صلاة جمعة. وأعتقد كان هناك شعور عميق لدى مشائخ الشيعة بأن تجنب السعي للسلطة هو سر بقاء الطائفة عبر تاريخ طويل من التمييز والاضطهاد وإلا لكان مصيرها الزوال كما حصل لغيرها من الفرق في التاريخ الإسلامي، لذلك ترسخت في العقل الجمعي الشيعي فكرة الابتعاد عن السياسة ونبذها واعتبارها منافية للقيم والأخلاق، واقترن الحكم لديهم بالظلم والطغيان والفساد، بل وحتى الاحتكاك بالحكام أو برجال الدولة أو امتداحهم وذكر محاسنهم فيما لا يخدم مصلحة الطائفة، يعتبر أمر منبوذ من قبيل السجود للطواغيت والمشاركة في ظلمهم.

وأما نظام الحكم الملكي الشيعي الذي كان قائماً في إيران، فلم يكن بذلك الحجم إلا مع تأسيس اسماعيل شاه للدولة الصفوية التي اتخذت الجعفرية مذهباً رسمياً لها وفرضته بالقوة على أغلب المجتمعات الإيرانية بعد أن كانت الجعفرية فيها أقلية، كما قضوا على المذاهب الشيعية الأخرى الكبيرة في إيران وخاصة الزيدية. ولكن الدولة الصفوية استخدمت نفس أدوات الدولة العثمانية في قيام رجال الدين بتوطيد حكمهم وشرعنته، ويبدو لي في البدايات لم يكن في إيران مشائخ جعفريون كبار يمكنهم القيام بهذا الدور، أو مشائخ في النجف يقبلون به، فاستقدموا علي الكركي من لبنان الذي يصفه بعض الباحثين بأنه أعاد اختراع الشيعة. كما استخدم الصفويون الكثير من الوسائل الأخرى المؤثرة على الفكر الجمعي وعاطفته نحو أهل البيت وخاصة الإمام الحسين، مستغلين المناسبات الدينية وإغراقها في الطقسنة والدروشة التي انتقلت للعراق واستمرت حتى يومنا هذا لدى الكثير من المجتمعات الشيعية.

مصطلح الإسلام السياسي المعاصر هو بطبيعة الحال يطلق على التنظيمات التي تدعي بأنها تستمد شرعيتها وشرعية أعمالها من قداسة الدين الإسلامي ورموزه، ولكن إضافة لذلك نقصد به أيضاً أنه: السعي بشكل معلن أو مستتر إلى إقامة دولة كبرى تحكمها سلطة ذات مكانة دينية عليا، تدعي أن شرعيتها مبنية على التمثيل الإلهي للإسلام وتطبيق تشريعاته المنزلة من عند الله وليس القوانين التي يضعها البشر، (كل بحسب مذهبه وفهمه للإسلام وتشريعاته)، وذلك على حساب الدول الوطنية الحديثة القائمة، وعدم الاعتراف بكياناتها المستقلة وحدودها الجيوسياسية وبمفهوم المواطنة المعاصر، ولا بكامل المنظومة الدولية والتقدم البشري على الصعيد السياسي والاجتماعي والتي تبلورت بعد الحرب العالمية الثانية وانتهاء الإمبراطوريات والدول التوسعية على مستوى العالم.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية