العدد 4113
السبت 18 يناير 2020
الخميني أدرج مبدأ ولاية الفقيه في الدستور الإيراني خالد عبدالعزيز النزر
نشوء الإسلام السياسي الشيعي المعاصر (3 - 6)
الثلاثاء 03 مارس 2020

نصرالله مسحة من القداسة عززت التوغل الإيراني في الوجدان الشيعي العربي

الخميني واجه مشكلة في شرعنة الدولة الدينية الجعفرية

توقع الكاتب والباحث السعودي خالد عبدالعزيز النزر أن يكون مصير مشروعات الإسلام السياسي، بنسختيه الشيعية والسنية، إلى الأفول قريبًا. وقال إن معارضة الإسلام السياسي لا تعني المعارضة للدين الإسلامي نفسه أو لتشريعاته، مشيرا إلى أن مفهوم الدولة الوطنية الحديثة قادر على استيعاب جميع الأديان والمذاهب وتأطير الأفهام المختلفة للدين بحدود أصحابها. فنحن المسلمين متفقون على الدين وأهمية تطبيق تشريعاته، ولكننا مختلفون في فهم هذا الدين وفي طريقة التطبيق حتى على المستوى الفقهي البسيط من عبادات ومعاملات، فكيف بأنظمة وإدارة الدول؟

وذكر النزر أن مواجهة الإسلام السياسي بشكل عام سنيًا كان أو شيعيًا، تتطلب من الدول عمل ما هو أبعد من الحلول الأمنية، إذ يجب التركيز على الجانب الفكري المنفتح ودعم مبادئ الإسلام الوسطي المعتدل والمتسامح مع الآخر، ونبذ الطائفية وخطابات الكراهية وتجريمها.

وكما هو معلوم، برز في الحالة اللبنانية حزب الله وأمينه العام السيد حسن نصرالله كبطل قومي مجاهد على مستوى العالم العربي والإسلامي، وهذا خدم ولاية الفقيه والنظرة لإيران خدمة عظيمة جدًا على الصعيد الشعبي، إلى أن جاءت الحرب السورية فأحدثت ردة كبيرة في النظرة تجاه هذا الحزب وإيران عمومًا، أما على مستوى الشيعة العرب عموما فيبقى لنصرالله مسحة من القداسة، ويُنظر له كبطل شيعي شبيه بصلاح الدين عند السنة، وهذا عزز التوغل الإيراني واستحواذهم على الوجدان الشيعي العربي، فكان نصرالله وحزبه رأس حربتهم العربية في العديد من الملفات ومنها التدريب العسكري للجماعات المسلحة، أو بالتواصل والدعم والتوجيه للمعارضين الشيعة، وفي احتضان القنوات الفضائية كمنصة إعلامية عربية لإيران، والأشمل من ذلك هو تأثير الخطب الشعبوية الرنانة لنصرالله التي من خلالها يوجه ميول الشارع الشيعي العربي بما يخدم الأجندة الإيرانية في المنطقة. وعلى كل حال، وعودة للبراغماتية الإيرانية فأكثر حادثة برز فيها الوجه المصلحي لإيران فيما يناقض شعاراتها ومبادئها المعلنة للجمهور، كان بين العامين 1985 و1986 في الحرب مع العراق وذروة هتافات الموت لأميركا “الشيطان الأكبر” والموت لإسرائيل “الشيطان الأصغر”، حين قامت بشراء أسلحة أميركية بمعاونة مباشرة من إسرائيل وظلت تستلم دفعاتها سرًا لمدة 14 شهرًا، ولولا فضيحة “إيران كونترا” في الولايات المتحدة لما علم أحد بما كان يجري! فكان الإيرانيون أذكياء في استقطاب القوى الأخرى بالتركيز على المشتركات فيما يخدمهم ويحقق مصالحهم، وهذا نراه مثلًا في تناغمهم مع الشيوعيين من باب العداء لأميركا ورفع الشعارات الثورية، وقد زار الخميني وهنأه بانتصار الثورة وفود من الأحزاب الشيوعية العربية وغير العربية.

وأسست إيران علاقات قوية مع عدد من الدول الشيوعية خصوصًا فنزويلا وكوبا، ونجد اليوم الكثير من الشيوعيين في العالم متعاطفين مع إيران ويعتبرونها مظلومة من قِبل “الإمبريالية الأميركية” (بحسب قناعتهم)، وعلى الصعيد غير الرسمي استطاعت إيران التغلغل داخل تلك المجتمعات الشيوعية عن طريق حزب الله الذي اشتغل على ذوي الأصول اللبنانية في أميركا الجنوبية؛ للاستفادة من مافيات غسل الأموال وغيرها. أما الشيعة من ذوي الميول الشيوعية واليسارية، فهؤلاء وبحسب ما نراه يتعاطفون مع إيران ليس من منطلق أيدلوجي ديني ولكن بحكم انتمائهم الاجتماعي، وأيضًا فيما يخص الثورية والنظرة السلبية لأميركا، وازدراء السلطات بشكل عام، خصوصا المَلكيات منها.

التأصيل الشرعي لولاية الفقيه

كانت المشكلة التي واجهها الخميني هي في شرعنة الدولة الدينية الجعفرية، فالواقع كما ذكرنا سابقاً أن التقليدية الجعفرية لا ترى شرعية أي دولة قبل دولة الإمام المهدي، وأن على الشيعة التعامل بسلام ووئام مع دولهم القائمة والإخلاص لها ما دامت تحفظ بيضة الإسلام وباقي الضرورات كالنفس والمال والعرض وألا تحاربهم في عقيدتهم وشؤونهم الدينية، ويرون أن هذا كان نهج الأئمة المعصومين، فالإمام علي اتبع هذا النهج (بحسب الفكر الشيعي) وذلك في عهد الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان، حتى قيل: “لولا علي لهلك عمر”، والحسن والحسين كانا يحاربان في الفتوحات الإسلامية تحت راية الدولة الإسلامية آنذاك، وتوزع عليهما المغانم والسبايا ومنهن شاهزنان والدة الإمام زين العابدين، وكانا يستلمان العطاء من معاوية، وإن كان الحسين قد رفض مبايعة يزيد مما أفقده حياته بعد انقلاب أهل الكوفة عليه، إلا أن ولده زين العابدين بايع يزيد وهو إمام معصوم عند الجعفرية، وله دعاء مشهور بعنوان “أهل الثغور” يدعوا فيه للمرابطين والمقاتلين على ثغور الدولة الأموية، كذلك الإمام جعفر الصادق لم يكن مؤيداً لخروج عمه الإمام زيد بن علي (إمام الزيدية) على الدولة الإسلامية آنذاك، بل إن الإمام الرضا صاحب الضريح العظيم في إيران كان متزوجاً من أخت الخليفة المأمون وعُين ولياً للعهد.

وأما الدول الجعفرية في التاريخ الإسلامي فهي لم تدّع الولاية أو النيابة عن الإمام المعصوم في الحكم كما فعل الخميني، نعم طبق الكركي النيابة العامة عن المعصوم في العهد الصفوي ولكن ذلك كان كفقيه ومفتي وليس كحاكم.

ومن ناحية أخرى كانت تلك الدول الجعفرية كلها منضوية أو متكاتفة مع دولة الخلافة الرئيسة (السنية)، هذا باستثناء الدولة الصفوية. ففي التاريخ الإسلامي لدينا الدولة الحمدانية في حلب والموصل، وهي رغم نزاعاتها في البداية مع العباسيين ببغداد إلا أنها سرعان ما أصبحت السند الأكبر لهم والمدافع الأول عن الدولة الإسلامية من جهة الروم وصد العديد من الهجمات وخوض الحروب معهم، وكان يلقب حاكمها بسيف الدولة. ولدينا الدولة البويهية (تحول حكامها في العراق من الزيدية إلى الجعفرية)، كانت منضوية تحت الخلافة العباسية وتحكم باسمها في بغداد وباقي المناطق، وكان الخليفة العباسي”المستكفي” هو من لقب أحمد بن بويه بـ “معز الدولة”. ولدينا الدولة العيونية في الأحساء وهذه أيضاً قامت بدعم ومباركة من دولة الخلافة في بغداد، خصوصاً أنها أنهت بقايا الدولة البوسعيدية (القرامطة) أشرس أعداء العباسيين، وكان العباسيون يعتمدون على العيونيين في بعض حروبهم، خصوصا في إخضاع قبائل البادية العراقية إذا تمردوا، كما كان العباسيون يعتمدون عليهم بشكل كامل في تأمين طرق الحج نظراً لنفوذ العيونيين الواسع في الجزيرة العربية آنذاك وهيمنتهم على قبائل البادية. غير ذلك فكل الدول الشيعية، حسب اطلاعنا، التي ناهضت دولة الخلافة الإسلامية القائمة أو حاربتها، كانوا إسماعيليين أو زيديين. وهكذا لا نجد في التراث الجعفري عموما، ما يدعم الشرعنة الدينية لعمل الخميني في إسقاط حكم الشاه خصوصاً أن الشاه في النهاية كان شيعياً ويحكم دولة ذات غالبية شيعية تمارس معتقداتها وعباداتها بكل حرية، وله علاقاته الحسنة مع كبار المراجع في قم والنجف أيضاً، هذا ناهيك عن ما يدعم شرعية تأسيس الخميني لحكم إسلامي جعفري، فماذا فعل الخميني لذلك؟ لقد ذهب إلى استجلاب مصطلح “الولي الفقيه” الذي أوجده أحد رجال الدين المتأخرين ألا وهو أحمد النراقي (ت 1245هـ)، والمبني أساساً على فكرة النيابة الفقهية عن الإمام الغائب وهي فكرة قديمة في الفقه الشيعي، لكن النراقي حوّلها إلى نيابة وولاية مطلقة، وكان قوله شاذاً، نقضه وفنده حينها مرجعان كبيران هما الأنصاري والنائيني ودحضا كل ما قاله عن ولاية الفقيه.

لذلك فإن كبار المراجع سواء في النجف أو في قم لم يقتنعوا بشرعية عمل الخميني على إسقاط حكم الشاه من الناحية الدينية، ولا بتأصيله الشرعي لولاية الفقيه المطلقة حتى بعد أن تولى حكم إيران. فنجد مثلاً في لقائه بالعام 1970م مع السيد محسن الحكيم المرجع الأعلى للشيعة آنذاك، وهو من أصل إيراني أيضاً، لم يقتنع بشرعية فكرة الخميني حسب ما ينقل موسى الموسوي الذي حضر اللقاء، فطلب منه الخميني تثوير الشيعة على الشاه استناداً إلى موقف الإمام الحسين من يزيد كحاكم ظالم، إلا أن الحكيم الذي يمثل رأس النهج التقليدي، احتج على الخميني بموقف الإمام الحسن وسيرته. وعلى كل حال بعد أن وصل الخميني إلى الحكم في إيران أعلن الدولة الإسلامية وأعلن نفسه الولي الفقيه الحاكم لها تحت مسمى “المرشد” المأخوذ من الإخوان.

أما الوصف الشرعي لولاية الفقيه فهو كالتالي: “هي النيابة العامة للفقيه الجامع للشرائط عن الإمام المعصوم في زمان الغيبة لقيادة الأمة الإسلامية وتدبير شؤونها في جميع ما كان للمعصوم عليه ولاية، في غير مختصاته وبشرط وجود المصلحة”.

أي ولاية عامة في جميع شؤون الأمة، نفس ولاية المعصوم في حضوره، وهي رئاسة الدين والدنيا، ومن ثم فله ما كان للإمام من وظائف دون أن يشاركه مختصاته وبشرط وجود المصلحة في فعله، والتي منها السعي لإقامة الحكم الإسلامي وسيادته على البلاد في حقيقته الأصيلة والمحافظة على المصالح العامة سياسياً وأخلاقياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً وما شاكل ذلك، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقيام دون تسرب الفساد إلى المجتمع الإسلامي، سواء كان خطراً يهدد كيان الإسلام، أم يطيح بسلامة الأخلاق العامة والقيام ببث الدعوة خارجياً وداخلياً بالسعي وراء تنشيط الوعي الإسلامي في نفوس المسلمين، ومنها سد الثغور والأمر بالجهاد والدفاع وعقد الصلح وقبول الهدنة وتقسيم الغنائم، ومنها أخذ الزكوات والأخماس وتولية أمر القصّر والغيّب والأوقاف العامة وتجهيز من لا وليّ له ووراثة من لا وارث له، ومنها إقامة الجمعة والجماعات وتعيين أئمتها.

ومنها تعيين قضاة العدل والمراقبة على أعمالهم بإجراء الحدود، ومنها التصدي لإصدار أحكام (تعرف بالأحكام السلطانية أو الولائية) في مواقع ضرورية حفاظاً على منافع المسلمين، ومنها القضاء والإفتاء والتصدي للأمور الحسبية كل ذلك من باب ولايته على هذه الأمور، (السيد أبو الحسن الموسوي الغريفي، ولاية الفقيه مفهوماً ودليلاً). وقام الخميني بإدراج مبدأ ولاية الفقيه في الدستور الإيراني، ما أدى إلى دمج أكبر سلطة سياسية ودينية في يد فقيه شيعي وهو الخميني نفسه الذي أنشأ بموجب المادة 107 في دستور العام 1979م مؤسسة تتجاوز سلطاتها بكثير، تلك التي كانت ممنوحة للشاه بموجب دستور 1906م، وتؤسس المادة 110 من الدستور صلاحيات الولي الفقيه وحقوقه، وتفوضه بالعمل كقائد عام للقوات المسلحة بأفرعها وإعلان الحرب والسلم، وتعبئة القوات المسلحة، وتعيين وعزل الأفراد في الدولة، ومنهم نصف أعضاء “مجلس صيانة الدستور”، ورئيس السلطة القضائية، ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، والقائد الأعلى لقوات الحرس الثوري الإسلامي، والقيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن.

وبهذا نجد أن الولي الفقيه يسيطر على أهم مفاصل الدولة، وحتى بعض أشكال الديمقراطية التي أوجدها كالانتخابات والمجالس وغيرها نراها عند التدقيق تتصل خيوطها في النهاية بيد الولي الفقيه، إذ إن كل مرشح لمجلس الشورى أو الرئاسة أو غيرها لابد أن يمر بعملية “فلترة” دقيقة من جهات أو مجالس عدة تنتهي إليه. وقد استمرت دولة “ولاية الفقيه” بمؤسسات الثورة التي أسسها الخميني وراح يثبتها في جميع أجهزة الدولة، والتي ارتبطت بأيديولوجية الثورة بشكل أكبر نسبياً من ارتباطها الإداري، فعلى سبيل المثال تم تأسيس الحرس الثوري كقوة مسلحة طغت في دورها على دور الجيش النظامي. وكذلك التوازن الذي تم حفظه بدقة بين القوى الإيرانية المختلفة كرجل الشارع ورجل البازار ورجل الدين.

كما قام النظام بإيجاد كوادر فاعلة من الصفوف الثانية والثالثة، لدفع عملية الإحلال والتجديد في مفاصل الدولة نحو البناء الأيديولوجي المستهدف، وهذا نجح بشكل كبير خصوصا في القطاعات العسكرية والتعليمية. وهكذا صمد هذا النموذج الشيعي للإسلام السياسي بدولته الثيوقراطية في وسائلها ومضامينها وخطابها، واستمرت حتى الآن بإيجاد ضداً تعيش عليه، تارة الشيوعية العالمية، وأخرى الامبريالية الأمريكية، وثالثة التحديات القومية والطائفية والسياسية الشرق أوسطية، فقد كون هذا النموذج لنفسه دوائر متعددة من الحصانات وظفت الدين والقوة العسكرية والتعليم والثقافة العامة والانتخابات وجميع المؤسسات والفعاليات، لحماية ولاية الفقيه. فكانت جاهزة كلما تحرك الشارع بأن تقمعه بقسوة وبطش وبسرعة فائقة، دون أي تردد أو خوف، رغم أن تلك التحركات للشارع لم تكن ضد النظام نفسه بقدر ما كانت لأسباب إصلاحية عامة في إدارة البلاد أو اقتصادية وحياتية، (راجع أيضاً: عمار السواد، تجارب الإسلام السياسي الأربع).

العراق بلد التمهيد وفرنسا بلد الانطلاقكان النجف أنسب مكان ممكن ليمارس فيه الخميني نشاطه السياسي تحت الغطاء الديني، والسبب أنه المكان الذي يجمع طلاب الدين من جميع المجتمعات الشيعية في العالم وأهمهم بالنسبة له كان الإيرانيون بالطبع، إلا أن الاستهداف توسع كما يبدو إلى جميع الدول التي توجد فيها مجتمعات شيعية وأولهم العراق نفسه!

كانت حركة الخميني حذرة جداً في البداية ولكن مع مجيء حكم البعث وخلافه مع الشاه على خلفية دعمه للأكراد، أصبحت الحكومة العراقية تدعم الخميني وتحميه. فنظام البعث كان يستقبل أتباع الخميني من الإيرانيين، وخصص إذاعة بالفارسية ليبث منها أفكاره عبر برنامج “النهضة الروحية” الذي كان يقدمه محمود دعائي، كما منح العراق تسهيلات وجوازات سفر لخاصة الخميني من الإيرانيين، وغض الطرف عن التدريبات العسكرية بإشراف يزدي زاده.

إلا أن الأمر استفحل بعد ذلك بالنسبة لحكومة الشاه، وزادت الضغوطات على العراق لإبعاده. في هذه الفترة كان الغرب عموماً قد وصل لقناعة بأن الشاه آيل للسقوط قريباً بسبب عدد من المؤشرات والتقارير الاستخبارية، وكان المرشح الديمقراطي “جيمي كارتر” قد وصل لرئاسة الولايات المتحدة وسط انتقادات حادة في الداخل الأميركي للسياسات الأميركية في إيران والدعم غير المحدود من الرئيس الجمهوري السابق غيرالد فورد لشاه إيران وسياساته القمعية، وفضائح بشأن دعم الشاه بالملايين لحملة فورد الانتخابية عبر السفارة الإيرانية في واشنطن.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .