العدد 4121
الأحد 26 يناير 2020
مواقف المعارضات في الغرب لم تخرج يوما من تحت العباءة الإيرانية خالد عبدالعزيز النزر
نشوء الإسلام السياسي الشيعي المعاصر (4 - 6)
الثلاثاء 03 مارس 2020

المجتمعات الإسلامية والعربية فرحت بوصول رجل دين ضد الشاه

الخميني أعلن مشروع تصدير الثورة إلى كل العالم

توقع الكاتب والباحث السعودي خالد عبدالعزيز النزر أن يكون مصير مشروعات الإسلام السياسي، بنسختيه الشيعية والسنية، إلى الأفول قريبًا. وقال إن معارضة الإسلام السياسي لا تعني المعارضة للدين الإسلامي نفسه أو لتشريعاته، مشيرا إلى أن مفهوم الدولة الوطنية الحديثة قادر على استيعاب جميع الأديان والمذاهب وتأطير الأفهام المختلفة للدين بحدود أصحابها. فنحن المسلمين متفقون على الدين وأهمية تطبيق تشريعاته، ولكننا مختلفون في فهم هذا الدين وفي طريقة التطبيق حتى على المستوى الفقهي البسيط من عبادات ومعاملات، فكيف بأنظمة وإدارة الدول؟

وذكر النزر أن مواجهة الإسلام السياسي عموما، سنيًا كان أو شيعيًا، تتطلب من الدول عمل ما هو أبعد من الحلول الأمنية، إذ يجب التركيز على الجانب الفكري المنفتح ودعم مبادئ الإسلام الوسطي المعتدل والمتسامح مع الآخر، ونبذ الطائفية وخطابات الكراهية وتجريمها.

وتفاجأ العالم، وأولهم الشاه، بكارتر وهو يخطب ويتحدث عن حقوق الإنسان ويعد الشعب الأميركي بأنه سيقف بجانب الشعوب المضطهدة من حكامها المستبدين مهما كانت الصداقة التي تربط الولايات المتحدة بهم. وبالفعل مارس كارتر ضغوطًا شديدة على الشاه؛ لتغيير سياساته الداخلية، فانصاع الأخير وقدم العديد من التنازلات، ولكن كانت كلها متخبطة وفي الوقت الضائع، كما علم الأميركان حينها بأنه مصاب بالسرطان ولن يعيش طويلًا مع عدم وجود خليفة قوي يعتمد عليه.والحقيقة أن الهم الأكبر للأميركان في تلك المرحلة كان هو منع مجيء حكم جديد في إيران يتحالف مع الاتحاد السوفيتي في هذا البلد ذي الموقع الاستراتيجي المهم في الشرق الأوسط، ولا ننسى أن المحرك العميق للشعب الإيراني في ثورة 1979 هو امتداد ما جرى على “محمد مصدق” مؤسس حزب الجبهة القومية اليسارية، وما قامت به أميركا وبريطانيا حينها، وأيضًا كان من أبرز قوى المعارضة الإيرانية أحزاب شيوعية على رأسهم “حزب توداه”، إضافة للقوى الأخرى كالحركات الطلابية والجماعات الإسلامية على رأسهم الخميني، ومجاهدو “خلق” وغيرها.

بعد تواصل جرى بين الفرنسيين والشاه عبر السفارة الفرنسية في طهران تم الاتفاق على انتقال الخميني إلى فرنسا، معتقدًا الشاه أن ذلك سيجعل الخميني بعيدًا وأقل تأثيرًا، وبالفعل وصل الخميني إلى فرنسا في 6 أكتوبر 1978، وهناك جرت المحادثات بينه وبين الأميركان عن طريق “رمزي كلارك” وزير العدل السابق وأحد أبرز داعمي الحريات والحقوق المدنية، كما كانت هناك مباحثات يجريها الأميركان في الداخل الإيراني مع عدد من القوى والشخصيات من ضمنهم بازركان وهاشمي رفسنجاني. في الأول من يناير العام 1979 حصل اجتماع غير معلن في “غواديلوب” بين الرئيس الأميركي جيمي كارتر والرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان ورئيس الوزراء البريطاني جيمس كالاهان والمستشار الألماني هيلموت شميت، أعلن فيه كارتر للحاضرين أن الشاه انتهى ولن نقدم له أي مساعدة وأننا نخطط لانقلاب عسكري في إيران، (حسين حقيقي، كتاب: شاهد على السقوط الثلاثي. وهو ينقل كلام الرئيس الفرنسي السابق ديستان في لقاء صحافي/‏ نقلًا عن أنور عبدالرحمن - صحيفة أخبار الخليج، ع: 15228).

انفتح الخميني في فرنسا على الغرب الذي شكل له منصة لمخاطبة الشعب الإيراني والعالم، واستمر بتسجيل أشرطة الكاسيت التي بدأها في العراق، وإيصالها من فرنسا للداخل الإيراني بكل سلاسة، بل كانت إذاعة “بي بي سي” البريطانية باللغة الفارسية تمثل صوت الخميني في إيران وتذيع جميع كلماته وتوجيهاته للشعب الإيراني.

وفي النهاية سقط الشاه وحيدًا دون أي دعم من حلفائه الأميركان أو الغربيين، رغم وجود الآلاف من الجنود الأميركيين الذين كانوا يستطيعون دعمه، إلا أن الأميركان طلبوا منه المغادرة وفاوضوا كبار جنرالات الجيش الإيراني؛ لعدم المقاومة والوقوف على الحياد لتأخذ الأمور مجراها، وذلك بلقاءات أجرياها معهم الجنرال الأميركي “روبرت هايزر” والسفير الأميركي في طهران.

وكان قد حصل إجماع من أهم القوى المعارضة على أن الخميني كرجل دين كبير في السن لن يسعى للتمسك والتفرد بالسلطة، فيكون هو الممثل لهم، خصوصا أنه لم يعلن حينها بأنه سيؤسس دولة دينية إسلامية أو أنه سيطرح نفسه كولي فقيه. وبحسب الأحداث والكثير من الكتابات فإن الخميني انقلب على جميع هؤلاء لاحقًا بعد تسلمه لزمام الأمور في إيران، خصوصا الولايات المتحدة. ويمكن في هذا المجال مراجعة كتاب: “الخميني في فرنسا” لكوشنك نهاوندي رئيس جامعة طهران، ووزير التعمير سابقًا، وكتاب: “الثورة البائسة” لموسى الموسوي الذي كان مقربًا من الخميني وصديقا لولده مصطفى، وهو معارض للشاه، أيضًا وكان متواصلًا مع الخميني من قم إلى العراق حتى فرنسا.

فرحت المجتمعات الإسلامية والعربية عموما بوصول الخميني إلى الحكم في إيران كرجل دين ضد الشاه “المستبد والفاسق”، فتوافدت عليه الوفود من العديد من القوى السياسية والحزبية العربية، كما بعث له العديد من الحكام العرب المجاورين برسائل التهنئة والمباركة والسعي لحسن الجوار، وعلى رأس هؤلاء صدام حسين والملك خالد، اللذين رد عليهما الخميني برد متعال بدأه بعبارة: “السلام على من اتبع الهدى”!، (أذيع خبر هذه الرسائل في إذاعة طهران باللغة العربية واستمع لها الكثير ممن عاصروا تلك المرحلة).

وبعدها بقليل أعلن الخميني مشروع تصدير الثورة إلى كل العالم وبدأ في خطبه الرنانة بمهاجمة الأنظمة التي اعتبرها عميلة للأميركان وأعداء الأمة الإسلامية. أما الفرحة الكبرى فكانت داخل المجتمعات الشيعية خصوصا في البلاد العربية الذين شعروا بالنشوة العارمة وهم يشاهدون عمامة شيعية تنزل من الطائرة الفرنسية أمام أنظار واهتمام العالم لتعتلي سلطة دولة كبرى مثل إيران، في الوقت الذي كان فيه بعض رجال الدين في هذه المجتمعات لا يستطيعون حتى الخروج بعمائمهم إلى الشارع.

السيد محمد باقر بن حيدر الصدر وحزب الدعوة

الصدر هو أهم مؤسسي “حزب الدعوة الإسلامية” في العراق العام 1959، والذي أطلق عليه هذا المسمى وتولى إعداد المادة التثقيفية للحزب، وكان المحرك لهم هو المد الشيوعي ومحاولة مجابهته بتيار إسلامي مضاد، وكذلك مجابهة العلمانية والقومية العربية (كما كانوا يقولون)، والملاحظ لكتب الصدر الفكرية يجدها تصب في هذا الاتجاه. المحرك الآخر لتأسيس الحزب هو أن الكثير من الشباب الشيعة المتدينين في العراق انضموا للتنظيمات الإسلامية السنية كحزب التحرير والإخوان المسلمين، ما جعل بعض رجال الدين الشيعة يفكرون بتأسيس حزب يستقطبون فيه شبابهم، (الشائع أن تأسيس الحزب كان في 1957 اعتمادًا على قول منقول عن صالح الأديب، ولكن السيد طالب الرفاعي فند ذلك وصوّب التاريخ/‏ راجع: الشرق الأوسط، ع: 12733).

كان الصدر وطلابه من أكثر المتأثرين بفكر الإخوان المسلمين من رجال الدين الشيعة، حتى أن البعض في النجف كانوا ينبزونه بأنه “إخواني الشيعة”، وبالفعل نقل لي ذلك أحد طلابه القدماء، وأن كتابات الإخوان كانت تأتيهم ويقرأونها بالخفية.

وحزب الدعوة كان تأثره واضحًا بحزب التحرير؛ خصوصًا أن بعض قيادييه كانوا أعضاء في حزب التحرير وفي الإخوان المسلمين مثل عارف البصري، ومحمد السبيتي الذي تولى قيادة الحزب العام 1964.

يمكننا القول إن ما يعرف بالإسلام الحركي الشيعي على الصعيد العربي، كان منشأه محمد باقر الصدر وبعض المقربين منه آنذاك الذين اتخذوا لاحقًا خطهم المستقل كالسيد فضل الله على سبيل المثال.

وضع الحزب مخططًا من 4 مراحل: مرحلة العمل السري، مرحلة النشاط العلني، مرحلة الحكم واستلام السلطة، ومرحلة التطبيق العملي للإسلام، (عادل رؤوف، العمل الإسلامي في العراق بين المرجعية والحزبية). في السبعينات دعا حزب الدعوة لإسقاط النظام البعثي وإقامة حكومة إسلامية، ما أدخله في مواجهات مسلحة مع الدولة. كما قام الصدر بالإفتاء بحرمة الانتماء لحزب البعث حتى لو كان صوريًا. وبحسب ما ينقل عن الثقافة الداخلية في تلك المرحلة للإسلاميين الشيعة والسنة على حد سواء، أنهم كانوا يعتقدون بكفر وإلحاد الحكومات العربية التي رفعت شعارات القومية والبعثية والاشتراكية، وأن هذه المسميات لم تكن سوى ستارًا على شيوعيتهم المتأصلة التي كانوا يخفونها، والحديث يطول في هذا الشأن، ولكن ما يهمنا هنا هو أن الصدر كان من أشد المتحمسين في النجف لأفكار الخميني، ومن أوائل رجال الدين الشيعة الذين اقتنعوا بولاية الفقيه بعد أن كان يؤمن بمبدأ الشورى الإسلامي والذي طبق في حزب الدعوة، فما أن نجح الخميني بالوصول إلى حكم إيران إلا وأعلن الصدر تأييده له ودعا أتباعه للولاء له، وقال مقولته الشهيرة: “ذوبوا في الإمام الخميني كما ذاب هو في الإسلام” وبدأت تنتشر في الأوساط الشيعية عبارة “المرجعية الناطقة والمرجعية الصامتة” والمقصود بالصامتة هي المرجعية التقليدية كالخوئي وغيره الذين لم يعلنوا تأييدهم للخميني ولم يدخلوا في مواجهة مع الدولة. فكان لموقف الصدر وجماعته بالغ الأثر في تأييد الشيعة عمومًا وفي العراق خصوصًا للخميني وللدولة الدينية الشيعية التي أوجدها في إيران، ثم انضواء حزب الدعوة لاحقًا أو معظم أعضائه تحت عباءة المشروع الإيراني وتجيير المجتمعات الشيعية له في العراق والمنطقة.

يبدو أن الصدر كان يريد الالتحاق بالخميني في إيران بعد تشديد الخناق عليه من الحكومة العراقية، إلا أن الخميني عندما علم بذلك أرسل له برقية يطلب منه البقاء في النجف، فكانت هذه البرقية (بحسب شهادة غالب الشابندر)، هي سبب سجنه وإعدامه بتهمة الخيانة الوطنية والتخابر مع إيران. كانت الأوضاع الأمنية متوترة للغاية في الداخل العراقي بعد وصول الخميني لحكم إيران والتصعيد الخطابي بين الطرفين، وقام حزب الدعوة بتنفيذ عدد من العمليات المسلحة كان أشهرها هجوم جامعة المستنصرية في الثاني من أبريل 1980 على يد أحد كوادر الحزب (سمير نور) ضد مسيرة تشييع لاثنين من طلاب الجامعة حضرها عدد من المسؤولين العراقيين، والتي أصيب فيها وزير الخارجية الأسبق طارق عزيز.

ثم بعد ذلك ارتفع منسوب العمليات الإرهابية التي اتهم فيها الحزب داخل العراق وخارجه في الكويت وبيروت. يذكر أن حزب الدعوة ضم أيضًا شخصيات خليجية تفاوتت أنشطتهم بحسب كل دولة والمساحة المتاحة للتحرك السياسي، علمًا أن الخليجيون من حزب الدعوة كان انتمائهم للحزب أمر سري للغاية خصوصا في البدايات، وعلى الصعيد الشخصي التقيت في بعض المناسبات العامة بأشخاص من هؤلاء ولم يكن واضحًا لي علاقاتهم القديمة بحزب الدعوة إلا أخيرا بعد كشف بعض الأوراق.

ففي البحرين مثلًا هناك شخصيات انخرطت في الحركة السياسية البحرينية وتشكيل الأحزاب وكان لها زعامة روحية ظهرت بشكل جلي في أحداث البحرين 2011. تأسس الفرع البحريني من حزب الدعوة الإسلامية بسرية تامة العام 1968 على يد الشيخ سليمان المدني وضم أخاه عبدالله والشيخ عيسى قاسم وغيرهما، وبعد الاستقلال أسسوا “جمعية التوعية الإسلامية” التي أدارها عيسى قاسم، ثم انخرطوا في الحركة السياسية البحرينية مع المجلس التأسيسي ثم المجلس الوطني العام 1973م الذي شكلوا فيه الكتلة الدينية، كما أسسوا مجلة “المواقف” الأسبوعية التي أدارها عبدالله المدني، وبهذا سيطروا على الأنشطة في كامل المجتمع الشيعي البحريني، مع شيء من المنافسة من التيار الشيرازي الذي قام بمحاولة الانقلاب العام 1981 كما سيأتي، والتي استدعت من الحكومة البحرينية اتخاذ خطوات الحيطة والحذر تجاه جميع هذه الأحزاب الحركية داخل المجتمع الشيعي البحريني، كما أن حزب الدعوة في الثمانينات أصيب بضعف شديد في مسقط رأسه العراق؛ بسبب الإعدامات التي قامت بها الحكومة العراقية لمعظم قياداته قبل أن يستجمع قواه مرة أخرى في إيران. فأثر ذلك على الفرع البحريني، خصوصًا أن سليمان المدني تخلى عن الحزب والعمل السياسي برمته بعد تأثره النفسي بوفاة أخيه عبدالله.

ومع مطلع العام 2001 طرح عاهل البلاد مشروع “ميثاق العمل الوطني” وصوّت عليه الشعب بغالبية ساحقة، وأفرج عن المعتقلين وعاد المنفيون والمهاجرون ومنهم عيسى قاسم الذي جاء من إيران وأسس في البحرين مع أحد طلابه (علي سلمان) “جمعية الوفاق الوطني الإسلامية”، من ضمن جمعيات أهلية متعددة تمثل الاتجاهات المختلفة في البحرين، (راجع أيضًا: منصور الجمري، من الدعوة إلى أحرار البحرين إلى الوفاق/‏ الوسط البحرينية ع: 1043).

يذكر أن الدعويون في البحرين أنتجوا “حركة أحرار البحرين الإسلامية” التي عملت من لندن، والحقيقة أن تنظيمات الإسلام السياسي الشيعي لم تختلف عن مثيلاتها السنية في استغلال قوانين الدول الغربية، التي هم كانوا في إيران وفي بلادهم يهتفون ضدها بالموت والويل والثبور! لذلك العديد من التنظيمات الإسلامية الشيعية عملت من أوربا وأميركا ضد دولها من خلال مؤسسات رسمية أو أفراد، بعد أن خلعوا العمامة ولبسوا ربطة العنق وتعلموا الحديث عن مبادئ حقوق الإنسان والمواطنة والدولة المدنية! وما نراه أن جميع تلك المعارضات في الغرب لم تخرج يومًا من تحت العباءة الإيرانية في مواقفها مما يجري في داخل دولها الأصلية والمنطقة والعالم.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية