العدد 4127
السبت 01 فبراير 2020
جماعة “السفارة والآميش”.. خلقُ عالمٍ شاذٍّ
السبت 01 فبراير 2020

في إحدى فعالياتها وبرامجها، تحدّث نفرٌ ليس بالمحدود من جماعة التجديد المعروفة باسم “السفارة” ضمن عدد من باقاتها عن الأخوّة الإنسانية الضائعة ومن قبلها عن الأسرة وخطر الإدمان في إشارة واضحة منها للموبايل فون.

وهنا تذكرت برنامجًا تلفزيونيًّا يحمل اسم “المهمة” للإعلامية المصرية منى عراقي، وهي تتحدّث عن قوم يسكنون ولاية لانكستر الحدودية بين كندا والولايات المتحدة الأميركية ويطلقون عليهم اسم “الآميش”، هذا القوم يمنع التعامل بـ”الموبايل فون” ويحرّم التصوير، ويرتدون ملابس “سادة” أي غير منقوشة ولا يتزوّجون من بعضهم البعض، ويعيشون عالمًا منغلقًا منكفئًا على عاداتهم التي ترتقي إلى حد إقامة الحدود على كل من يخالف قوانين وأعراف هؤلاء القوم.

تذكرت وأنا أقرأ دستور “السفارة”، وأنا أتابع باقاتهم الميمونة وهم يتناولون موضوع الإدمان الجديد ومخاطره على الأسرة، ومع الفارق الرهيب في المنتج النهائي إلا أنني ألاحظ حجم العلاقة بين “السفارة” وبين “الآميش”، بين ما يدعون أنه تجديدًا وبين أمة تحاول أن تعيش في الجنة وهي على وجه الأرض، نسعى لكي نخلق عالمًا شاذًّا وسط عوالم أخرى متعددة الألوان والأعراق.

“السفارة” وقتذاك كانت تُهيِّئ المناخ لاستقبال هجمة تكنولوجية جديدة على الموبايل فون بوصفه “مخدِّرًا” وتنسى فتواها التي تضعها على جروح القاصرين عندما تفرض عليهم عدم الزواج إلا من بين بني جلدتهم، ومن يخرج عن هذا العُرف الوهمي يتم تحديد إقامته بعد قرار من لجنة أشباه حكماء، ما أشبه السفارة بـ”الآميش”، الفرق الوحيد أن “الآميش” منتجون، نواياهم طيبة، و”السفارة” كسالى ونواياهم مُغرضة، “الآميش” يحاولون الوصول بالخليقة إلى طبيعتها الأولى، وهؤلاء “المجدّدون” يحاولون الوصول بأمة لا إله إلا الله إلى الجاهلية الأولى.

الأخوّة الإنسانية الضائعة، تضيع عندما تخضع لتهويمات وأباطيل “السفارة” كجماعة مارقة، والأخوّة الإنسانية الضائعة ضاعت لأنها تشهد الكثير من أمثالكم في محافلها وندواتها وباقاتها المزعومة وهم يقولون ما لا يفعلون، ويستشهدون بالممنوع عليهم التشبيه به، ويمارسون طقوسًا أشبه بـ”الآميش”، وبأنفسهم ولو كره المؤمنون.

إن “السفارة” تريد أن تجمع أمة إنسانية على طريقة “فرّق تسد” أو على قاعدة الشواذ عندما يتفقون على قاعدة شديدة الإيمان بالخروج عن الإجماع أو الدفع باتجاه غير المألوف، بل وغير المأسوف عليه بتاتًا.

التجديد الثقافي .. إضافة للتقويم

لعلّي فهمت الرسالة بالخطأ، حتى لا أكون متجنِّيًا على جماعة تسعى إلى إقامة التجديد الثقافي على الأرض، وتمضي باتجاه تحقيق إضافة نوعية على التقويم، ولعلِّي لا أتجنّى لو قلت أن التقويم عندما أقرّه علماؤه المتقين، قد درسوا علوم الفلك بعناية، وأتقنوا فنون الأزمنة عندما تتعامد مع المكان المرتبط بإنسان، وبالخليقة كونها جزءًا مرتبطًا بهذا الإنسان، جمادًا ونباتًا وحيوانًا وسائر مخلوقات الأرض.

التقويم جاء ليصف لنا موقعنا الزمني من آلية شروق الشمس وغروبها، طلوع النهار، وحلول الليل، انبساط الأرض والتقائها بالسماء، وتعزيز مضامين الرؤية في الأفق البعيد.

دائرة لا تنفصل في أقطارها عن بعضها البعض، محيط مرتبط بمساحة وطول وعرض وارتفاع ونصف دائرة ربما، في جميع الأحوال لا التجديد الثقافي يرتبط بمكانيكية تقويم جديدة، ولا الثراء الذهني وحده يقود إلى فراغ محلق في سماوات الرؤى المختلفة.

الجميع متفق على أن الدعوة إلى التسامح عندما تطلق عليه جماعة السفارة بباقة على طريقة إشعال الفتنة بطفاية حريق، أو على قاعدة من أجل عين حاسدة تكرم ألف عين شريرة، هذا في حد ذاته يؤلب النفوس على بعضها البعض ولا يقرّب بينها، يقيم الحدود ولا يزيّنها، أما باقات “السفارة” تتعلق بالسلم والحرب، زعمًا كمحاولة نشر السلام على الأرض والاستبسال في سبيل زرع الكلمة الطيبة واصفين إياها بأنها تساعد على استئناف الحياة.

كل ذلك جميل ومتفق عليه سلفًا، ومتوافق حوله من أصحاب النهي، وأرباب العقول المتوازنة، لكنه حق أيضًا يراد به باطل، تميمة يتم تعليقها على جمجمة للمخاطر، في الوقت الذي يتغنّى فيه بإقامة الصلوات الخمس في مواعيدها، إن تأليف القلوب لا تأليبها هدفنا، تأليف القلوب على حق، هو ميراثنا، وتراثنا، وديدننا الذي لا نحيد عنه، لكن كيف يتم تأليف قلوب المسلمين على باطل، على قاعدة خطأ في الأساس يا إخواننا، على أساس هشٍّ يا جماعة الخير؟ ما زلت أذكر أنه لا إمام منتظر قد ظهر لفئة ولم يظهر لبقية المسلمين، ولا انغلاق على جماعة يمكن أن تُؤتي أكُلها كل حين عندما تجري المياه في مجاريها لكنها لن تكون صالحة للشرب.

فاقد الشيء لا يعطيه مثلما أشرنا من قبل والمؤمن لا يُلدَغ من حجرٍ مرتين مثلما يقول المثل الشائع، رغم ذلك فإن فرصة التتبع للباقات “المباركة” من جماعة تجديد غامضة لن يصل بأمّتنا إلا إلى مزيد من الفرقة والتشرذم والانقسام، لن تكون الدعوة إلى الإسلام نقية السرائر إلا عندما تتخلص من شوائب الشرك بالثواب، وإدخال الخزعبلات في صميم العقيدة، وإرباك العقل الجمعي من خلال ادعاءات وأباطيل وأكاذيب في منتهى الخطورة على سلام المجتمع وسلامته، السلام لا الحرب أولى أن تبدأوا بأنفسكم شعارًا ولافتةً من دون ميثاق أو دستور فاعل على الأرض.

الكلمة التي يصبح أصلها ثابت وفرعها في السماء ليست تلك التي يبشّرون من خلالها لأفكار هدّامة واضعين السم في العسل ويقدمون إياها في وصية مغرية إلى الجاهلين بعلومنا وأساسيات ديننا، وأصيل مذهبنا.

الشورى .. نظرة جديدة

في إضافات جماعة “التجديد” أو السفارة إلى التقويم مفهوم جديد لـ”الشورى” في ثوبها الناصع الملفت البراق.

هل هي مجالس، أم أنها اجتهادات؟ فكرة أم مؤسسة؟ معنى أم لفظ فضفاض؟

في باقة أخرى من باقات “السفارة” توصيل مفعم بإقامة علاقات شديدة الدبلوماسية مع الآخر المختلف، ليس ذلك في مكان يصعب الوصول إلى عنوانه العريض، أو إلى لافتته المبهرجة المطرّزة بمختلف أنواع الجمل غير المفيدة، لكنها المعنى الذي سيظل مختلًا في بطن شاعر غير مجتهد، والأفق الذي سيبقى أسيرًا لسماء واحدة لأنه لا يعترف بسماوات حياتنا السبع.

نظرة جديدة لـ”الشورى” مثلما يقولون لقاح تكبّر الإنسان وغروره، اعتراف ضمني أو صريح بعنفوان الإنسان وفرض سطوته كفرد مطلق السراح في جب عميق.

الصلاح العام للناس وصناعة الانشراح في حياته من الصيرورة التفاوضية المطلقة بين مُطلِق الشعار ومتلقّيه عن بعد، إنما الندوة أو الملتقى سوف تشهد لـ”الشورى” معانٍ دخيلة، أجور رمزية على عمل مضنٍ لكنها حق أصيل لا يضيع عند الله جلّ وعلا.

يقولون نحن ندعو إلى مواقف مسجلة للخروج من السمت الإنساني والفشل في مواجهة ضغوط وتحديات الحياة، رفض الخضوع للاستفزاز والابتزاز، وهنا أقول لهم: هل عقيدتكم أو مذهبكم أو طريقتكم، لا تدخل في الاستفزاز لأمة، والابتزاز لأبنائها القصر المتابعين؟ بالتأكيد أن دسَّ السم في زبد مطهو على نار هادئة يختلف تمامًا عن تقديمه إلى الناس كوجبة جاهزة سريعة بالطريق العام، وأن جودة المنتج بعد أن وقعت الفأس في الرأس عدة مرات سابقة قد أثبتت أن ما أشبه الليلة بالبارحة، بالأمس وضعتم السم لنا في العسل، وبعد أن وقعت الواقعة وانفضحت أموركم، اكتشفنا أن كل ما تدعون إليه باطل وحرام، وأن كل ما تسعون إلى ترميمه من أطلال وتداعيات هو أيضًا باطل وحرام.

حرام من حيث وقوفه فوق تلال من المغالطات، وباطل من حيث ارتباطه بفكرة مرفوضة سلفًا من مجتمع متحاب متآخ مؤمن بدينه وعقيدته السمحة التي لا مزايدة عليها ولا إضافات.

إن باقة الشورى يجب أن تبدأوا بها مع أنفسكم يا جماعة السفارة، أن تعلنوا بين أعضائكم وبكل شفافية أنكم تدعون إلى أفكاركم بالحسنى وليس بالحبس الانفرادي للمنشقين عليكم، وأنكم لا تقيمون الحدود على طريقتكم الخاصة وكأنكم محكمة عدل عليا تأخذ تعليماتها زورًا وبهتانًا من جهة غير معلومة، لكنها معتمدة شيطانيًّا من فئة ضلت ولا تسعى إلى التوبة، ومن جماعة انحرفت وترى أن طريق الحق مازال أبعد من حبل الوريد.

أدعو لكم الهداية يا جماعة السفارة، واستشهادًا بكلام رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام : “أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ”، وأرسل لكم هذه الرسالة حيث إننا في زمن تكثر فيه الفتن، وأشد تلك الفتن ما يستهدف الدين والعقيدة والقيم، وفي الآنة الأخيرة، رأينا كيف أن جمعية التجديد الثقافية تستهدف النساء والشباب بالجميل من الكلام والراقي من الأساليب، لتنشر سمومها في المجتمع من خلال العبارات الراقية من قبيل: “الرسول كان إنسانًا قبل أن يكون نبيًّا” فظاهر العبارة جميل وباطنه يضرب العقيدة الإسلامية بالأصول العقلية والإنسانية الغربية التي تقدم الإنسانية على الرسالة الإلهية، وانتبهوا لمن حولكم وخصوصًا فئة الشباب.

وأدعو الذين ينغمسون في أكذوبة استئناف الحياة أن يعودوا إلى رشدهم وأن يتوقفوا فورًا عن استنساخ أفكار عفى عليها الزمن ورفضها الواقع ولم ترحّب بها المواثيق ولا الأعراف ولا الأديان.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .