العدد 4127
السبت 01 فبراير 2020
الإسلام السياسي بنسختيه الشيعية والسنية في طريقه إلى الأفول قريباً خالد عبدالعزيز النزر
نشوء الإسلام السياسي الشيعي المعاصر (5 - 6)
الثلاثاء 03 مارس 2020

أتباع ولاية الفقيه يعتبرون مشروع إيران التوسعي دينياً في الأساس

الصدر وطلابه أكثر المتأثرين بفكر الإخوان المسلمين من رجال الدين الشيعة

توقع الكاتب والباحث السعودي خالد عبدالعزيز النزر أن يكون مصير مشاريع الإسلام السياسي، بنسختيه الشيعية والسنية، إلى الأفول قريبا. وقال إن معارضة الإسلام السياسي لا تعني المعارضة للدين الإسلامي نفسه أو لتشريعاته، مشيرا إلى أن مفهوم الدولة الوطنية الحديثة قادرعلى استيعاب جميع الأديان والمذاهب وتأطير الأفهام المختلفة للدين بحدود أصحابها. فنحن كمسلمين متفقون على الدين وأهمية تطبيق تشريعاته، ولكننا مختلفون في فهم هذا الدين وفي طريقة التطبيق حتى على المستوى الفقهي البسيط من عبادات ومعاملات، فكيف بأنظمة وإدارة الدول؟.

وذكر النزر أن مواجهة الإسلام السياسي بشكل عام سنياً كان أو شيعياً، تتطلب من الدول عمل ما هو أبعد من الحلول الأمنية، حيث يجب التركيز على الجانب الفكري المنفتح ودعم مبادئ الإسلام الوسطي المعتدل والمتسامح مع الآخر، ونبذ الطائفية وخطابات الكراهية وتجريمها.

وعودة لحزب الدعوة في الخليج، فقد دخل إلى الكويت من خلال بعض قياديي الحزب الذين قدموا آنذاك من العراق وعلى رأسهم اللبناني الشيخ علي الكوراني (ليس الذي أدين مؤخراً بالإرهاب في الولايات المتحدة)، ومن خلال تواجدهم في مسجد النقي عملوا على نشر أفكار الحزب بين شيعة الكويت واستطاع الحزب بعد ذلك السيطرة على مجلس إدارة جمعية الثقافة الاجتماعية، والقيام بعدة نشاطات إعلامية وثقافية اعتبرت قفزة نوعية عند الشيعة في الكويت مثل إصدار مجلة طريق النور ومجلة النبأ وعقد الندوات والمحاضرات.

أخفى الحزب اسمه حيث كانت جميع الأنشطة تتم باسم الجمعية ومن هنا أطلق على أعضاء حزب الدعوة مسمى خط جمعية الثقافة نسبة إلى استخدام جمعية الثقافة كمقر لنشاطاتهم الحزبية، كما برز الحزب بشكل واضح في الحركة الطلابية بجامعة الكويت أثناء مشكلة الاختلاط في الجامعة حيث كانت تدور معركة بين التيار اليساري والقومي من جهة والتيارات الدينية من جهة ثانية.

كذلك استطاع الحزب أن يمد نفوذه إلى ما عرف بـ مجموعة ديوانية الشباب عبر استقطاب بعض قياديي المجموعة. تعرض أعضائه للملاحقة الجنائية بسبب الدعوة إلى إقامة جمهورية إسلامية شبيهة بجمهورية إيران الإسلامية، وكذلك اتهام أعضاء منه بالمشاركة في تفجيرات الثمانينات في الكويت، (فلاح المديرس، الحركة الشيعية في الكويت).

بالنسبة للسعوديين فكان منهم عدد من طلاب محمد باقر الصدر الذين تأثروا آنذاك بأفكاره، أغلبهم من الأحسائيين الذين نشأوا في العراق أو عاشوا فيها لفترات طويلة، ثم عادوا لبلادهم لاحقاً وكان لهم في مجتمعهم مكانتهم الاجتماعية، إلا أن انتماءهم لحزب الدعوة أمر لا يمكن الجزم به أو تأكيده، إلا لمن عُرف عنه ذلك مثل عبدالهادي الفضلي أحد الأعضاء الأوائل لحزب الدعوة والبعض يعتبره من المؤسسين، (حسين منصور الشيخ، الشيخ عبدالهادي الفضلي). كان له دور رئيس في وضع مناهج كلية الفقه في النجف التي أنشئت على النهج الأكاديمي الحديث بخلاف الحوزات الدينية التقليدية هناك، وكانت هذه الكلية تمثل واحدة من أهم المصادر الرئيسة التي اعتمد عليها حزب الدعوة في استقطاب كوادره الأولية.

كما كان للفضلي لاحقاً دور رئيس أيضاً في تجديد نظم ومناهج الحوزة الدينية في قم التي كان يديرها حسين منتظري في حياة الخميني. وساهم أيضاً في إنشاء الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية في لندن عام 1989م وعمل أستاذا فيها ومشرفا عاما لها.

في الفترة التي جاء فيها الفضلي إلى السعودية كانت الدولة في تلك المرحلة تواجه الحركيين السياسيين من شيوعيين وبعثيين وقوميين، وأجريت حملة واسعة ضد البعثيين في السعودية عام 1969م ولم تكن العلاقة مع العراق بأفضل أحوالها. عُين الفضلي عام 1971م أستاذا للغة العربية في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، وابتعثته الجامعة للقاهرة لينال شهادة الدكتوراه وكان هو حاصلاً على الماستر من جامعة بغداد، ليعود رئيساً لقسم اللغة العربية في الجامعة، وفي تلك الأثناء أدرجت الجامعة أحد كتب الصدر في المناهج التعليمية وهو كتاب اقتصادنا الذي يتحدث عن نظرية إسلامية في الاقتصاد.

كان الفضلي ناشطاً على المستوى الاجتماعي في جدة وكذلك في المنطقة الشرقية وسط الشباب الشيعي. وفي آخر حياته أثناء مرضه ذهب للعلاج في إيران وزاره علي خامنئي في المستشفى فأخذ يقبل يد خامنئي، فقبّل الأخير رأسه، ثم قال الفضلي: تحسنت كثيراً ببركات دعاء السيد، (مقطع فيديو). توفي في السعودية عام 2013م وكان له تشييع حاشد من الشيعة، كما أقيم له مجلس عزاء في العراق من قِبل رئيس مجلس الوزراء السابق ابراهيم الجعفري، رئيس التحالف الوطني العراقي آنذاك، والذي ألقى فيه كلمة تأبينية، وحضره العديد من أعضاء حزب الدعوة القدماء وغيرهم من السياسيين العراقيين.

السيد محمد بن المهدي الشيرازي وحركة الطلائع الرساليين

كان من ضمن رجال الدين الذين اجتمع بهم الصدر نهاية الخمسينات قبل تأسيس حزب الدعوة للتشاور، فحصل اختلاف في وجهات النظر حول نقاط عدة، منها استخدام مصطلح حزب الذي اعترض عليه الشيرازي من باب أنه من المفاهيم الغربية الدخيلة، وقد كان الشيرازي في تلك الفترة رافضاً لفكرة الأحزاب كما يبدو، كذلك اختلف مع الصدر حول إيمانه بوجوب القيادة لرجل الدين الفقيه بينما كان الصدر يطرح فكرة الشورى الإسلامية (هذا انعكس لاحقاً)، ويقول بعض أتباعه القدماء بأنه هو من أحيا فكرة حكم ولاية الفقيه قبل الخميني، وأن ذلك جاء في كتاب له لم أطلع عليه- بعنوان: الحكم في الإسلام. وعلى كل حال كان الشيرازي من أهالي كربلاء ذوي الأصول الإيرانية ومن أسرة دينية معروفة وجده السيد محمد حسن الشيرازي صاحب الفتوى الشهيرة في تحريم التنباك والتتن في إيران ضد بريطانيا في العهد القاجاري. أي أنه كان مهتماً بالشأن الإيراني وما يجري فيها، وفي أحداث قم عام 1963م التي سجن فيها الخميني وتحدثنا عنها سابقاً، قام الشيرازي مع رجال دين آخرين في كربلاء بإصدار بيان يطالبون فيه الشاه بالإفراج عن الخميني وأتباعه، وبالتالي ربما كانت له علاقة سابقة بالخميني.

وعند قدوم الخميني من تركيا إلى العراق وزار الشيرازي في كربلاء، استقبله الأخير واحتفى به بشكل بارز على خلاف مراجع النجف الذين لم يعطوه تلك الحفاوة، فأعد له استقبالاً كبيراً أخرج فيه وفداً إلى خارج المدينة لتلقي الخميني، وكان يقدمه على نفسه في إمامة الصلاة داخل الحرم الحسيني، وهذا يعتبر من أعلى درجات الدعم لدى فقهاء الشيعة. عندما طرح الشيرازي مرجعيته الدينية واجه حساسية من مراجع النجف حول أهليته للمرجعية، إلا أنه تميز بطرقه للأفكار المعاصرة آنذاك، وتأليفه لعدد كبير من الكتب المتنوعة دينياً واجتماعياً وسياسياً (بغض النظر عن قيمتها العلمية)، مما جذب إليه جيل الشباب المتحمس في كربلاء وكذلك من خارجها ممن لم تستهوهم تقليدية النجف.

فيما بعد أسس حركة الطلائع الرساليين عام 1968م ولكن استخدم وصف التنظيم المرجعي بدلاً من التنظيم الحزبي وذلك لأنه يرفض مصطلح الحزب كما ذكرنا، وجعل رئيساً للحركة ابن اخته محمد تقي المدرسي، ويبدو لي أن المدرسي هو صاحب التنظيم العملي والتنفيذي على أرض الواقع، ولكن تحت مظلة خاله ومرجعيته. وقد بدا واضحاً من أفكار المدرسي وكتاباته حول أسلمة المجتمع وشمولية الدين وغيرها، تأثره بأدبيات الإخوان المسلمين وتحديداً بأفكار سيد قطب حول الجاهلية والحاكمية وهو ما شكل الأساس الفكري لحركة الطلائع الرساليين.

شددت الحكومة العراقية الخناق على الشيرازي وجماعته، فانتقل إلى الكويت عام 1970م وأسس مدرسة دينية هناك (حوزة الرسول الأعظم) بمساعدة بعض التجار الكويتيين، فكانت غطاءً لحركة الطلائع التي استقطبت في الكويت أعداداً كبيرة من الشباب الشيعي الخليجي، خصوصاً السعوديين وغالبيتهم من القطيف، ومنهم أيضا بحرينيون وكويتيون وعمانيون. وحصل نوع من التصادم بين الشيرازيين والدعويين في العراق وفي الكويت أيضاً مما جعل علي الكوراني يتهمهم أمام مسؤولين في الكويت بأنهم أصحاب دعوة سياسية ويريدون إقامة دولة شيعية في الخليج، وأقيمت دعاوى قانونية ضد الشيرازي نفسه مطالبة بترحيله من الكويت، ولكن داعميه الكويتيين توسطوا له ونفوا هذه الاتهامات عنه فاستمر نشاطه في الكويت آنذاك، (بدر الابراهيم ومحمد الصادق، الحراك الشيعي في السعودية).

كان أخوه حسن الشيرازي قد خرج من العراق إلى لبنان ليمارس نشاطه هناك، ولكنه اصطدم بموسى الصدر على ما ينقل عن تلك المرحلة. كما أرسل الشيرازي ابن اخته الثاني هادي المدرسي للإقامة في البحرين وكان مرحّباً به من الحكومة البحرينية حينها وأعطي الكثير من المميزات، لدرجة أنه منح الجنسية البحرينية، ويبدو أن الحركة الشيرازية عملت بنفس الطريقة على جميع المجتمعات الشيعية لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الأتباع. بعد وصول الخميني لحكم إيران كان الشيرازي وأتباعه من أشد المتحمسين والمناصرين له، وبدأ الشيرازيون بالتحرك في العراق والسعودية، وحدثت في العراق بعض العمليات المسلحة المحدودة. وفي موسم الحج عام 1979م الموافق 1399هـ التقى خامنئي ورفسنجاني باثنين من أهم أتباع الشيرازي السعوديين ودار بينهما حديث عام حول الثورة في إيران وأنه لا بد للشعوب أن تتحرك، كذلك التقى بهما في الحج محمد تقي المدرسي رئيس الحركة ومرتضى القزويني أحد أعضائها ومن أقدم أتباع الشيرازي في كربلاء (بحسب رواية أحدهما المنقولة في المصدر السابق)، وهناك رواية أخرى عن اجتماع حصل في الكويت لقادة حركة الطلائع قرروا فيه التحرك في السعودية. وللعلم: تنفي تلك الشخصيات والشيرازيون القدماء في السعودية عموماً أي تنسيق أو أوامر جاءتهم من قيادة الحركة، وأن تحركهم كان ذاتياً لنيل الحريات الدينية.

وعلى كل حال في تلك الفترة احتل جهيمان العتيبي الحرم المكي مما جعل الأوضاع الأمنية في الداخل السعودي متوترة للغاية، وصادف أنه اليوم الأول من موسم محرم الديني عند الشيعة عام 1400هـ، ووزع فيه بالقطيف منشور يصعد من اللهجة ضد الدولة والدعوة للمشاركة في مواكب العزاء التي كانت ممنوعة، واستنكار مواقف الإمبريالية الأمريكية تجاوباً مع دعوة الخميني، وحث المنشور المؤمنين الأبطال على عدم الخوف من رجال الأمن وعدم الاستماع إلى الوجهاء والشخصيات والعُمد لأنهم مجموعة من الجبناء والعملاء الهلعين على مصالحهم الشخصية. وبدأ أتباع الشيرازي في القطيف بإطلاق خطب حماسية ثورية داخل الحسينيات تتحدث عن المظلومية وتغيير الواقع الاجتماعي وتدعيمه شرعاً بآيات قرآنية وربطه باستشهاد الإمام الحسين، فمثلاً أحدهم بدأ خطبته بقوله: هي الشهادة كالبركان ينفجر على الطغاة وكالنيران تستعر، ولم أجد كدمِ الأحرار من شرارٍ إذا تطاير لا يبقى ولا يذر، (راجع أيضاً: الحراك الشيعي، مصدر سابق).

نتج عن تلك الخطب خروج مظاهرات بدأت أولاً في بلدة سيهات بقيادة مرتضى القزويني المذكور سابقاً (فهو ليس سعودياً لكن مجيئه المعلن للقطيف كان للمشاركة الخطابية في إحياء الموسم الديني، واستقدام خطباء بالأجر من دول أخرى كان أمراً اعتيادياً في تلك الفترة)، ثم خرجت المظاهرات في داخل القطيف وفي بلدة صفوى بقيادة خطباء آخرين محليين من أتباع الشيرازي، ورفع بعض المتظاهرين صورة للخميني، وإضافة للهتافات المطلبية والعامة، رددوا هتافات مؤيدة له مثل: الله واحد، خميني قائد أو بالروح بالدم نفديك يا إمام.

في الأحساء حاول أتباع الشيرازي أيضاً إخراج مظاهرات بالتزامن مع القطيف، لكنها كانت محدودة وتم احتواؤها من نفس أهالي المتظاهرين. لحق الشيرازي وجماعته بالخميني في طهران وكان لهم في البداية حظوة وتغلغل في العديد من أجهزة الدولة الإيرانية الجديدة، وبدأوا بتوسيع تنظيمهم على شكل هرمي بقي على رأسه محمد تقي المدرسي ويندرج تحته عدة تنظيمات فرعية موزعة على المجتمعات الشيعية كالعراق والسعودية والبحرين، وأصبحت قيادة التنظيم مربوطة بالحرس الثوري من خلال ما يسمى: مكتب حركات التحرر أو مكتب تصدير الثورة الذي كان يرأسه مهدي هاشمي. خطط التنظيم لعملية إنقلاب في البحرين للاستيلاء على الحكم بقيادة هادي المدرسي وبعلم وتسهيل السفير الإيراني هناك، والتي بدأ العمل بتنفيذها في ديسمبر عام 1981م، والتي كانت تستهدف تفجير الاحتفال المركزي الذي سيقام في المنامة بمناسبة العيد الوطني والذي يحضره كبار مسؤولي الدولة، ليتم بعدها السيطرة على مرافق الدولة الرئيسية.

قبل موعد الحفل ضبطت جمارك دبي شحنة قادمة من إيران متجهة للبحرين تحوي ملابس مقلدة للزي العسكري البحريني، فأبلغت دولة الإمارات السلطات البحرينية بذلك مما أسهم في كشف العملية وإفشالها، وتم القبض على مجموعة من 73 شخصاً، وطرد السفير الإيراني.

يذكر أن الشيرازي اختلف مع الخميني لاحقاً في مفاصل عدة مهمة، ويبدو أن الخميني رأى أن الشيرازي أخذ أكبر من حجمه وأصبح يتدخل في أمور وقرارات لا تعنيه، فحاول إبعاده باقتراح أن يذهب لإمامة الجمعة والجماعة في محافظة خوزستان (الأحواز) خاصة وأنه يجيد اللغة العربية، ولكن كل تلك التراكمات أغضبت الشيرازي وأشعرته بالإحباط، وحصل الشقاق بينهما وتخلى الشيرازي عن تبنيه لولاية الفقيه وطرح أفكاراً أخرى للحكم الديني مثل شورى الفقهاء، فتم التضييق عليه وعلى أتباعه وجُردوا من جميع صلاحياتهم داخل إيران، وانقلب عليهم لفترة من الزمن جميع التيارات الأخرى في جميع المجتمعات الشيعية من خمينيين ودعويين وبطبيعة الحال التقليديين الذين كان لهم خلاف قديم معهم، والشيرازي نفسه ظل معتكفاً داخل منزله في قم حتى وفاته العام 2001م وقيل أنها كانت إقامة جبرية، وأيضاً أثير الكثير من اللغط حول وفاته وأسبابها. وكثيراً من الشيرازيين القدماء خرجوا وانتشروا في دول أخرى في أسيا وأوربا وأفريقيا وأمريكا، وهي نفس أماكن انتشار الدعويين أيضاً، كما حصلت خلافات سابقة داخل التنظيم نفسه بسبب تسلط محمد تقي المدرسي وأخيه هادي واستبدادهما بالرأي.

وغالبية الشيرازيين الخليجيين عادوا لبلادهم لاحقاً بعد إصدارات بالعفو العام عنهم.

ومن المهم معرفة أن الجماعة الشيرازية القديمة قد تشظت فكرياً وتنظيمياً بشكل واسع لاحقاً، وللتوضيح: فاليوم ما يعرفون بالشيرازيين هم فقط أتباع السيد صادق الشيرازي المقيم في قم حالياً، وهو أخو محمد الشيرازي لكنه كان بعيداً تماماً عن السياسة والتنظيمات الحركية ويعتبر حالياً مرجع الشيرازيين التقليديين، وهؤلاء لا يمكن احتسابهم على الإسلام السياسي، يُتهمون بالمبالغة في الطقوس الدينية واتباع الآراء المتشددة عقائدياً وتاريخياً ضد الصحابة وزوجات النبي وما إلى ذلك، وأغلب القنوات الفضائية الدينية الشيعية اليوم هي تابعة لهم، وهم على خلاف حقيقي مع النظام الإيراني وولاية الفقيه، ولكن يبدو لي أن الإيرانيون يستفيدون منهم بالاحتواء نظراً لانتشار أتباعهم، وتوغلهم الإعلامي العاطفي في وجدان شريحة شعبية واسعة من الشيعة من خلال تلك القنوات التي قد تستغل ضد إيران وهذا حصل بالفعل العام الماضي عندما اعتقلت السلطات الإيرانية حسين نجل المرجع صادق الشيرازي فبث الخبر في الشريط الإخباري أسفل أغلب تلك القنوات بشكل مناهض للنظام الإيراني، وصاحبه احتجاجات في أكثر من مكان واقتحام للسفارة الإيرانية في لندن، ومن أسباب احتوائهم أيضاً بنظري هو ليبقى هذا التيار المتشدد عاملاً لإظهار الدولة الدينية في إيران وأتباعها كتيار معتدل بالنسبة للآخر، وممن اشتهروا من هذه الجماعة رجل الدين الكويتي ياسر الحبيب. القسم الآخر الذي تفرع من الشيرازيين القدماء هم جماعة المرجع الحالي محمد تقي المدرسي وأخيه هادي المذكوران سابقاً، وهذين أبقيا على دفء العلاقة مع السلطات الإيرانية وأجهزتها، أتباعهم قلة متركزة في كربلاء، وكذلك في الخليج الذي نشطوا فيه بشكل ملحوظ إبان الربيع العربي وخطب التجييش والتعبئة التي كان يبثها هادي المدرسي آنذاك عبر اليوتيوب وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، وممن اشتهروا من هذه الجماعة رجل الدين السعودي نمر النمر. وكذلك من الشيرازيين القدماء المرجعين المستقلين الحاليين في إيران السيد كمال الحيدري والشيخ ناصر مكارم الشيرازي، وحجم أتباعهما اليوم أعداداً لا تذكر. أما غير ذلك من الشيرازيين القدماء فأصبحوا في عداد باقي الشيعة دون تمييز في الإطار العام. 

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .