العدد 4135
الأحد 09 فبراير 2020
مواجهة الإسلام السياسي تتطلب ما هو أبعد من الحلول الأمنية خالد عبدالعزيز النزر
نشوء الإسلام السياسي الشيعي المعاصر (الأخيرة)
الثلاثاء 03 مارس 2020

مشاريع الإسلام السياسي تخادمت مع موقف الدول العظمى من القضية الفلسطينية

جماعة ولاية الفقيه الأكثر تطرفا في الولاء السياسي لإيران

توقع الكاتب والباحث السعودي خالد عبدالعزيز النزر أن يكون مصير مشاريع الإسلام السياسي، بنسختيه الشيعية والسنية، إلى الأفول قريباً. وقال إن معارضة الإسلام السياسي لا تعني المعارضة للدين الإسلامي نفسه أو لتشريعاته، مشيرا إلى أن مفهوم الدولة الوطنية الحديثة قادر على استيعاب جميع الأديان والمذاهب وتأطير الأفهام المختلفة للدين بحدود أصحابها. فنحن كمسلمين متفقون على الدين وأهمية تطبيق تشريعاته، ولكننا مختلفون في فهم هذا الدين وفي طريقة التطبيق حتى على المستوى الفقهي البسيط من عبادات ومعاملات، فكيف بأنظمة وإدارة الدول؟

وذكر النزر أن مواجهة الإسلام السياسي بشكل عام سنيا كان أو شيعيا، تتطلب من الدول عمل ما هو أبعد من الحلول الأمنية، حيث يجب التركيز على الجانب الفكري المنفتح ودعم مبادئ الإسلام الوسطي المعتدل والمتسامح مع الآخر، ونبذ الطائفية وخطابات الكراهية وتجريمها.

هذا التيار بدأ صغيرا ومحدودا في المجتمعات العربية مع وصول الخميني لحكم إيران، وتنامى مع الوقت. وهؤلاء اعتبروا الخميني هو الإمام السيد القائد ولي أمر المسلمين والنائب المطلق للإمام المعصوم، ونفس الشيء يعتبرون خامنئي اليوم. وجماعة ولاية الفقيه نراها هي الأكثر تطرفاً في الولاء السياسي لإيران، والأكثر عداءً للأنظمة القائمة التي تعاديها إيران، وفي الخليج كانت أكبر العمليات الإرهابية بتنفيذ أحزاب الله التي تخدم ولاية الفقيه والمرتبطة مباشرة بالحرس الثوري.

ومن أشهر عمليات الحرس الثوري في الخليج كان التخطيط لعمليات إرهابية في مكة المكرمة بإدخال المتفجرات إليها (51 كيلوغرام من مادتي C4 و RDX في 95 حقيبة أدخلها معهم حجاج إيرانيون) والتي أحبطتها السلطات السعودية عام 1986م، وكذلك تفجيرات المنطقة الشرقية والكويت في الثمانينات وتفجير الخبر عام 1996م، وغيرها. أتباع ولاية الفقيه يعتبرون مشروع إيران السياسي التوسعي، مشروعاً دينيا في الأساس لنشر التشيع الذي يعبّرون عنه بالإسلام المحمدي الأصيل، والتمهيد لدولة الإمام المهدي. وقد اشتغل هذا التيار على نشر أفكاره وترسيخها في المجتمعات الشيعية، وواجه صعوبة في البدايات ودخل في صراعات على النفوذ واستحواذ الأتباع، بينه وبين التيارات الأخرى وخاصة التيار التقليدي. فحدثت نزاعات وتنافسات على مسجد أو حسينية هنا أو هناك، أو على قرية من قرى الشيعة في هذا البلد أو ذاك. وأحياناً كان يصل الصراع إلى قتال مسلح كما حصل مثلا بين حزب الله وحركة أمل في لبنان. الجدير بالذكر أن هذا التيار خارج إيران يجادل منتقديه بأن ولاية الفقيه هي مجرد مرجعية دينية كباقي المرجعيات الإسلامية التي لا تستوجب تأطير المرجع أو المفتي في بلد معين، وأن هذا حاصل حتى عند المسيحيين في رجوعهم الديني لبابا الفاتيكان، وهذا الطرح ينطلي على الكثيرين بما فيهم البسطاء من أتباع ولاية الفقيه.

ونرى بأن هذا مجرد تسطيح سياسي، وقد ذكرنا سابقا تعريف ولاية الفقيه وأبعادها، وهي مذكورة أيضا في العديد من المصادر التي يمكن الرجوع إليها والتي يتضح منها خلاف ذلك. فالواقع أن الولي الفقيه في إيران هو رمز سياسي يحكم دولة ويعمل على مصالحها الوطنية بالدرجة الأولى، وهذا غير متحقق في أشخاص المراجع الدينية الأخرى. من ناحية ثانية فقد أنشأ الولي الفقيه في إيران ما يسمى بـ “مجلس الخبراء” الذي يفترض نظرياً بأنه هو من يختار الولي الفقيه الإيراني في إيران، (في الواقع هو مجلس صوري ويعلم المطلعون كيف تم اختيار خامنئي فيما يخص أعلميته ومرجعيته الدينية، وتغيير الدستور وما فعله رفسنجاني لذلك)، ولو سايرنا هذا الطرح فإن ولاية الفقيه تكون بذلك صناعة إيرانية خالصة تتم بآليات لا يتدخل فيها هؤلاء الأتباع في الخارج وهذا يخرجهم من إطار الرجوع الديني فقط، إلى التبعية السياسية لزعيم دولة أخرى، فحتى بابا الفاتيكان عند اختياره يكون حاضراً ممثلون عن جميع المجتمعات الكاثوليكية، ناهيك عن أنه ليس زعيما سياسيا ولا يتدخل بالسياسة لا من قريب ولا بعيد.

والأهم من كل ما سبق هو أن الولي الفقيه كما مر علينا يعتبره أتباعه ولياً لأمر المسلمين، وهو بالفعل يتدخل بشكل سافر في الشؤون السياسية للشيعة خارج بلاده، وليس كما هو سائدا في المرجعيات الشيعية التي تتجنب التدخل السياسي في شؤون مجتمعات الدول الأخرى التي لا يقيمون فيها، إلا ربما بالنصح الذي يكون منصبّا عادةً في الإطار التقليدي التاريخي للمذهب الجعفري والذي أوضحناه سابقاً.

ومن أبرز الأمثلة على أتباع ولاية الفقيه في أيامنا هذه هو حزب الله في لبنان، الذي وصف أمينه العام الحالي –نصر الله- مشروعهم في خطبة مبكرة له قائلاً: “مشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره كوننا مؤمنين عقائديين، هو مشروع دولة إسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق الولي الفقيه الإمام الخميني”. والذي بقي في خطبه يفتخر بأنه فرداً في حزب ولاية الفقيه، والذي يقول: “سنكون حيث يجب أن نكون”، ويقول: “ما في شي إسمه السعودية والشعب السعودي”.

أما أمين عام حزب الله في العراق واثق البطاط فقال عام 2013م لو تحاربت العراق مع إيران سأقف بصف إيران. ويقول يوسف الناصري معاون أمين عام حركة النجباء في العراق: “سنحرر أرض الجزيرة العربية والحجاز”، وهو نفسه الذي وصف لاحقاً الجيش العراقي بالمرتزق وطالب بحله لتتولى التنظيمات الدينية الشيعية المسلحة مهامه. كذلك نجد نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق –المهندس- الذي حكم عليه بالإعدام في الكويت في الثمانينات، حيث شكل آنذاك “خلايا جهادية” حسب تعبيره، تابعة لحزب الدعوة، وعمل هناك مع “مصطفى بدرالدين” القيادي في حزب الله الكويت وقتها، يقول في لقاء على إحدى القنوات الإيرانية، وأعادت عرضه مترجماً قناة “INP” العراقية أنه “يفخر بأن يكون جندياً لدى الحاج قاسم سليماني وهذه نعمة إلهية”!، والذي قال أيضاً بعد انتهاء احدى معاركه العسكرية على الحدود السورية: “إننا مستمرون حتى الرياض وجدة ومعنا أنصار الله ووجّه التحية ومن معه من المقاتلين إلى أنصار الله.

وأما “أنصار الله” فهم أيضاً يحملون نفس هذا الفكر في أدبياتهم الداخلية، وكما قال عبدالكريم الخيواني أحد قيادييهم: “سيطوف أنصار الله العام القادم في مكة”. أما تصريحات أصحاب المشروع نفسه أي الإيرانيون، حول تصدير الثورة والتوسع والسيطرة على العواصم ...إلخ، ومن عدد من قياداتهم السياسية والدينية والعسكرية منذ قيام الثورة حتى اليوم، فهو مما لا يعد ولا يحصى، والتي منها على سبيل المثال فقط: تصريح مستشار الرئيس لشؤون الأقليات “علي يونسي” أن عاصمة امبراطورية إيران الجديدة ستكون في العراق، أو قول نائب قائد فيلق القدس “اسماعيل قاءاتي” أن إيران مستمرة بفتح بلدان المنطقة، أو قول وزير الاستخبارات الإيراني السابق “حيدر مصلحي” أن الثورة الإيرانية لا تعرف الحدود وهي لكل الشيعة وما الحوثيين في اليمن إلا إحدى نتاجات الثورة الإيرانية.

وعلى ذكر الحوثيين فهم في الأساس كما يعلم الجميع جماعة زيدية المذهب بعيدة نسبيا عن المذهب الجعفري، ولكن يُعتقد بأن حسين بدرالدين الحوثي تأثر بالإيرانيين منذ ذهابه مع والده هناك، ثم اعتنق لاحقا المذهب الجعفري ونشره في نطاق مجتمعه الضيق بما فيهم أخيه عبدالملك الزعيم الحالي لميليشيا الحوثيين “أنصار الله”، ورغم سماعي بأن حسين الحوثي بالفعل كان يتردد على الحوزات الدينية في إيران، وكان يلقى اهتماما خاصا من الخميني، إلا أنني لم أجد دليلا ماديا بخصوص مذهبه هو وأخيه، ولكن هذا ما يؤكده الكثيرون من اليمنيين المطلعين على الداخل اليمني.

وهذه النقطة أطرقها ليس لاهتمامي بها، ولكن فقط لأنني ذكرت في بداية البحث أنني سأتحدث عن أتباع المذهب الجعفري، وعلى كل حال الحوثيون مربوطون بشكل مباشر بحزب الله في لبنان وكذلك بإيران التي سلمت السفارة اليمنية في طهران لأحد قيادييهم، وبالتالي مشروعهم في اليمن هو جزء لا يتجزأ من المشروع الإيراني في المنطقة.

وقبل الختام عن التنظيمات والحركات العربية الشيعية، أضيف ملاحظة وهي أن هناك بعض التنظيمات الدينية الأخرى الصغيرة التي ظهرت في العراق بعد 2003م، وهذه لم تتضح لي معالمها الكاملة إن كانت حركات عقائدية سلوكية فقط أم لها أهداف سياسية، كما لا يوجد ما يشير إلى ارتباطها بإيران. ومن هذه الحركات على سبيل المثال: حركة أنصار المهدي وزعيمها احمد اليماني. حركة جند السماء وزعيمها يدعي أنه هو المهدي. حركة الموطئون وزعيمها كذلك. حركة روح الله، ويدعون أن الخميني هو المهدي غاب وسيظهر. حركة النبأ العظيم ويدعون أن مقتدى الصدر هو المهدي. حركة الصرخي، الحركة المولوية، حركة المختار، وغيرهم.

وفي النهاية أود لفت نظر القارئ الكريم لبعض التوضيحات: أولا، قد يتساءل البعض مستنكراً، لماذا التركيز على الإسلام السياسي والأيدلوجيا الدينية بينما هناك العديد من الأيدلوجيات الأخرى التي اجتاحت المجتمعات العربية وكانت نتائجها الفشل؟، وأقول للإنصاف، نعم هناك العديد من الأيدلوجيات التي اجتاحت العالم بأكمله، ولكن ما يجعل الإسلام السياسي مختلفاً هو أنه يعتمد على المقدس الديني في الشرعنة لنفسه وهذا أخطر ما في الأمر، كما أنه في كثير من الأحيان كان مستتراً ومخادعاً وربما استخدم أدوات الحداثة السياسية مثل الأشكال الديمقراطية وغيرها لذر الرماد في العيون، أو كسلم للصعود يتم ركله لاحقاً، كما كان في كثير من الأحيان دموياً وكارثيا، وهذا ليس فقط نفّر العالم من الدين الإسلامي، بل نفرهم من جميع المسلمين الأبرياء المسالمين، وخلق حالة عالمية تعرف اليوم بـ “الإسلامفوبيا”، هذا ناهيك عن تنفير الكثير من الشباب المسلم من دينهم بعدما رأوا تطبيقاته العملية المعاصرة.

من ناحية أخرى وللإنصاف أيضاً أقول بأن إشكالية الإسلام السياسي عندما ننظر لها في العمق سنجد أنها متشابكة بشكل معقد مع إشكاليات أخرى كبرى مثل موقف الفقه الإسلامي من الحداثة وما بعد الحداثة في العديد من المجالات وما السياسة إلا واحداً منها، ومثل إشكالية أزمة الهوية لدى الفرد أو الجماعة، وهي أزمة موجودة اليوم في عدد من دول العالم خاصة مع صعود الأحزاب اليمينية الغربية، كذلك مشاريع الإسلام السياسي تخادمت بشكل رئيسي مع موقف الدول العظمى من القضية الفلسطينية ودعمها لإسرائيل في مخالفة القوانين والقرارات الدولية. ثانيا، لم نتطرق فيما سبق إلا للمجتمعات العربية في نشوء الإسلام السياسي الشيعي المعاصر وإلا فإن هناك مجتمعات أخرى اشتغلت عليها إيران وأدواتها بنفس الطريقة، في الهند وباكستان وأفغانستان ومجتمعات متعددة في آسيا وأفريقيا. ثالثا، سيلاحظ القارئ المطلع أننا لم نتحدث عن جميع التنظيمات الشيعية الحركية القديمة والحديثة في المجتمعات العربية، وهذا لأن الحديث مُنصب على نشوء الفكرة السياسية وذكر أهم التنظيمات الأولية، ولا يتسع ليشمل النشوء التنظيمي لجميع الحركات، نعم فصّلنا بعض الشيء في الشأن الخليجي بخلاف العراق ولبنان مثلاً، وذلك لأنني من هذه المنطقة وعايشت الكثير من أحداثها وتحولاتها واحتككت بالعديد من شخصياتها، ونظرا أيضا لأننا نرى وحدة المنشأ الفكري الذي انتشر في جميع المجتمعات الشيعية العربية والذي بدأ بشخص واحد أو عدد محدود من الأشخاص كلهم انضووا لاحقاً وأتباعهم تحت مشروع الخميني الديني في المنطقة والعالم. رابعا، بالنسبة للتنظيمات والعمليات الإرهابية في الخليج وخاصة في الثمانينات فعادة ما يخرج من “المتأرينين” من يحاجج بأن ذلك كان سببه وقوف دول الخليج ودعمها للعراق في حربه ضد إيران، وهنا أقول حريّا بهؤلاء أن يدينوا تلك العمليات الإرهابية وليس تبريرها أو إنكارها كما يكذبون على البسطاء، خاصة وأن الكثير من هذه العمليات لم ينكرها حتى النظام الإيراني نفسه، بل في عملية مكة المذكورة، ودويّها في العالم الإسلامي، وخوفاً من تدويل القضية، قدموا الاعتذار الرسمي للدولة السعودية، الأمر الآخر المهم هنا هو أن الأنشطة في الدول المجاورة لإيران بدأت قبل الحرب وخاصة في العراق والسعودية والكويت، فكانت بوادر التهديدات الإيرانية لدول الخليج واضحة مما يجعل من الطبيعي وقوفها مع العراق لأنهم شعروا بنفس الخطر الذي هدد العراق، ناهيك عن العوامل الأخرى كالحس العروبي العالي في تلك المرحلة وكذلك خارطة التحالفات الدولية المتشابهة بين العراق والخليج آنذاك.

خامسا، عندما تطرح هذه الأمور والأحداث في المجتمعات الشيعية الخليجية، نجد هناك من يهرب للأمام بالحديث عن سلبيات الحكومات تجاه الشيعة، والحقيقة لا يمكننا تصور شخص سوي وطبيعي ولديه أدنى درجة من الانتماء الوطني أن يقبل بتبرير العمالة والخيانة بحجة سلبيات الحكومات، ولكنها الأدلجة وما تفعل!. وفي نفس الوقت أؤكد انني لست هنا بصدد الدفاع أو التقديس للحكومات ولا أعتقد أنهم هم يدعون ذلك لأنفسهم، وكنت في الحقبة الماضية قد كتبت مراراً وفي عدة أحداث حصلت في المنطقة، وداخلت في عدة ندوات خاصة وعامة عن أهم المؤثرات السلبية على اللحمة الوطنية كالتمييز المذهبي أو الخطاب الطائفي التكفيري وغيرها من الأمور، وهذا فقط للتنويه لكي لا يزايد علينا أحد. ولكن مع ذلك لا ننسى أن تلك التنظيمات ومن خلفهم الحاضنة الإيرانية، كان لهم مشروع أيدلوجي واسع كما وضحنا سابقاً، واختطفوا به مجتمعاتهم، وقد ضخموا وبالغوا فيما يخص الحكومات وحرضوا وعبأوا عاطفيا بالتركيز فقط على السلبيات وتجاهل الإيجابيات، والتي كان أغلبها سلبيات عامة غير مقتصرة على الشيعة في تلك البلدان، كذلك كان وما زال التحدث بمنطق المظلومية، غير مبني على أساس وطني سليم، كذلك نرى بأن المحصلة النهائية لهذه الأساليب كانت أكثر سلبية بكثير على تلك المجتمعات التي تحدثوا باسمها وحرضوها ضد دولها، ومع الوقت ومع استمرار القوى الدينية المهيمنة وضخها وتعزيزها للمذهبية على حساب الوطنية، والتي صبت في النهاية لصالح التعاطف مع إيران في جميع سياساتها بل والدفاع عن تلك السياسات، وما كان يقابل ذلك من خطاب ديني متشدد وتكفيري ساد في أغلب المجتمعات الإسلامية، حصل التخادم بين هذين المتضادين للدخول في دائرة مفرغة من التجاذب المذهبي، مما غيب العقل الجمعي لتلك المجتمعات الشيعية من الناحية السياسية،  وجعلها لا ترى الأحداث السياسية والمتغيرات الكبرى داخل بلدانها ولا في المنطقة على طبيعتها، وغالباً تنظر لها بالعين الإيرانية التي توحدت لديها بالمذهب، فأصبح أي انتقاد لإيران يفسر على أنه انتقاد للمذهب، مما ساهم في تكريس العزلة الوطنية لتلك المجتمعات وفقد الثقة بها.

سادسا، ما ذكرناه هنا من أحداث وأسماء، ليس الغرض منه استهداف أحد بشخصه، فما يعنينا هو الأفكار أما الأشخاص فيحييون ويموتون أو يتغيرون وتتغير قناعاتهم مع الزمن.

وفي الختام أعتقد بضرورة وعي المجتمعات الإسلامية بشكل عام والشيعية بشكل خاص، خصوصا الجيل الجديد، إلى حقيقة هذه المشاريع وخطورتها وأنها كانت وما زالت تشكل جزءًا مهماً من مشاكلهم الوطنية من حيث يعلمون أو لا يعلمون، وإن كنت أتوقع بأن مشاريع الإسلام السياسي بنسختيه الشيعية والسنية إنما هي في طريقها إلى الأفول قريباً. ومن جهة أخرى فإن مواجهة الإسلام السياسي بشكل عام سنياً كان أو شيعياً، نرى أنها تتطلب من الدول عمل ما هو أبعد من الحلول الأمنية إلى التركيز على الجانب الفكري المنفتح ودعم مبادئ الإسلام الوسطي المعتدل والمتسامح مع الآخر، ونبذ الطائفية وخطابات الكراهية وتجريمها، وتعزيز قيم العدالة والمساواة وحقوق الإنسان وحرية التعبير، وعدم التضييق على الممارسات الدينية التي لا تصطدم بالآخرين، أو إشعار فئة من المواطنين بأنها مستهدفة في عقيدتها الدينية، وهذا كله في النهاية يعزز المواطنة ويرفع الروح الوطنية والولاء السياسي للدولة وقيادتها لدى جميع الأطياف ويجعلهم أشد حرصاً على استقرار ومصالح دولهم.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية