العدد 4186
الثلاثاء 31 مارس 2020
كورونا ما بين الرأسمالية والاشتراكية
الثلاثاء 31 مارس 2020

كثرت المقارنات بين الصين وأميركا عملاقي الاقتصاد العالمي، فارتكزت أغلب المقارنات على النظامين الاقتصاديين الرأسمالي والاشتراكي. في بداية تولي الرئيس الصيني الحالي “شي جين بينغ” وهو أمين عام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، قال: إذا انحرفنا أو تخلينا عن الماركسية فإن حزبنا سيفقد روحه وتوجهه، على الحزب أن يحرص على دمج المبادئ الأساسية الماركسية في واقع الصين المعاصر. أتى ماركس بمفاهيم مناهضة للرأسمالية وتدعو مجتمعاتها للثورة البروليتارية لتتحول إلى الاشتراكية، وأن هذا التحول حتمية تاريخية قادمة لا محالة.

ولكن الواقع أن أغلب الدول الاشتراكية انهارت اقتصادياً واحدة تلو الأخرى وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي. الأهم من ذلك أن الصين نفسها وبالرغم من حرص رئيسها على الماركسية إلا أنها أبعد ما تكون اليوم عن الاشتراكية. عندما قام “ماوتسي دونغ” بتطبيق مشروعه “القفزة الكبرى” أحدث اختلالا اقتصاديا دمر المجتمع الصيني وأدخله أسوأ مجاعات التاريخ البشري ومات ما يناهز 40 مليون صيني، ولولا إصلاحات “دنغ شياوبينغ” الاقتصادية نهاية السبعينات من السماح للملكية الفردية والانفتاح على الولايات المتحدة والدخول في النظام الاقتصادي العالمي والاستثمارات الأجنبية وغيرها من الإجراءات، لما تحققت معجزة الصين التي نراها اليوم. على الجانب الآخر نرى أن الولايات المتحدة جنحت كثيراً عن الرأسمالية التقليدية التي نظر لها “آدم شميث” و”جون لوك” وغيرهما، لقد تعلمت أميركا من أزماتها السابقة، ورأينا حكومة أوباما تدعم الشركات الكبرى مالياً في أزمة 2008م، كما نرى اليوم الكونغرس يوافق لحكومة ترامب على مساعدات بترليوني دولار لدعم محدودي الدخل من إجازات مدفوعة وقروض وإنفاق على العاطلين والمحاربين القدماء والمتعثرين في القروض السكنية والتعليمية، ودعم الشركات بشتى أنواعها وعلى رأسها قطاعات الصحة والتصنيع الطبي والغذاء والتعليم بأموال وإعفاءات من الضرائب، ودعم المدن والولايات المتعثرة والقرى النائية والوزارات والبلديات وغيرها. الواقع كما نراه أننا نعيش نظاما اقتصاديا عالميا مشتركا ومتشابها في كثير من جوانبه وأبعاده، وأن النجاح والإخفاق في جائحة كورونا ليس قائماً على النظم الاقتصادية وحدها، بل تدخل فيه العديد من الجوانب الأخرى. كما علينا العلم بأن الكثير من الأرقام المعلنة والنجاحات النهائية لبعض الدول مازالت غير دقيقة بما فيها الصين نفسها، وأن كثيراً من الدول العربية والعالم الثالث لا تمتلك عددا كافيا من أجهزة الفحص المخبري أو المحاليل، وبالتالي الكثير من الناس تمرض وتتعافى أو تموت دون دخول الإحصائيات الرسمية. أما نحن في دول الخليج فطالما أزكم أنوفنا بعض إخواننا العرب وغيرهم من المتعالين بعقدة التفوق التاريخي، أنهم أصحاب حضارات وأننا بدو لا نمتلك سوى النفط، تعاملت حكوماتنا مع هذه الجائحة بكل نجاح حتى الآن ولله الحمد، المسألة ليست امتلاكنا النفط، ففنزويلا تمتلك من النفط ما يفوقنا، وإيران تمتلك النفط والعراق وليبيا وغيرها. في هذا الظرف الطارئ، المسألة هي ماذا تمتلك من بنية تحتية تنموية، وماذا تمتلك من كفاءات وكوادر متعلمة ومدربة، وماذا تمتلك من تصنيع ومخزون غذائي، وتصنيع ومخزون للمستلزمات الطبية الأولية، وماذا تمتلك من نظم تقنية متطورة، وماذا تمتلك من شراكات علمية دولية، وماذا تمتلك من علاقات دبلوماسية متشعبة، وماذا تمتلك من قوة وسيطرة، وماذا تمتلك من وعي اجتماعي وثقة بين الحكومة والشعب، وكيف تسخر كل ذلك ليكون الإنسان أولا وليكون المواطن معززاً مكرماً حتى في البلاد المنكوبة. كذلك لابد من التنويه بأن هناك من الدول من باغتتها وفاجأتها الجائحة، وأن هذا الفيروس لا يعرف عرقا ولونا ودينا ومذهبا وكبيرا وصغيرا ووزيرا وخفيرا، ومن أبشع ما نراه اليوم للأسف هو عبارات الشماتة والتشفي من بعض الجهلة أو أصحاب الآيديولوجيات الدينية أو السياسية، كفانا الله وإياكم كل الشرور وإن شاء الله تعود الحياة كما كانت وأجمل، بعد أن نتعلم من هذه الدروس.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .