العدد 4189
الجمعة 03 أبريل 2020
الوباء بين التهويل والاستهتار
الجمعة 03 أبريل 2020

بين التخويفِ والتهويل، والاستهتارِ والإهمال نتعاملُ مع الجائحةِ الراهنة! قسَّمَنا فيروس لا يُرى بالعين المجردةِ إلى فريقين كلٌ منهما انحرفَ عن جادةِ الصوابِ في تقييم الوضعِ القائم. انبثقَ الوباءُ من بؤرةِ التصنيع؛ فخلنا أنه لن يجاوزَ مصنعه، وظننا أنّا في منأىً من سطوته، لكنه تفجَّرَ فانبثقتْ منه ملايينُ الحالات وآلافُ الوفيات حين انتشرَ في طولِ الأرضِ وعرضِها وتربعَّ جالساً في عُقرِ دارِنا وتمددَ مُنتشياً بهواءِ رئاتنا يحصدُ في حيواتنا من دون هوادة، وفي خضمِّ هذه الحال من الخطر يتصارخُ المرتعبون في ذهول؛ خوفاً من الموتِ بالوباء، لكنهم لا يكتفونَ بالفزعِ الذاتي الكامنِ في دواخلِهم، بل ينشرونه للناس أجمعين وبصورةٍ أخطرَ من انتشارِ الفيروسِ ذاته. هم يشحنونَ المُتلقي بالرعبِ والجزعِ حتى يُسِّلم لهذا المخلوقِ البيولوجي الحقير؛ فيموتَ لا من الفيروسِ بلْ من اليأسِ والقنوطِ من النجاة.

أما الفريقُ الثاني، ذلك الذي يستفزني أكثر؛ فقد أَصمّ أُذُني وأَعمي عيني عن المهولين، لكني لن أستطيعَ النفاذَ بجلدي من المستهترين. لا أدري كيف يُفكرون؟ إِلمْ يُهمَهمْ أنهم ضحايا ربما للفيروسِ المقيت، أفلا يُهمهمْ أنْ ينقلوه لفلذاتِ أكبادِهم وأحبتِهم ومن يحيونَ في حيّهمْ ويلتقون بهم. يتجاهلون حملاتِ الوقاية، يصمونَ آذانَهم عن سُبُلِ الحماية، لا يستمعونَ لآراءِ علماء الدين، ولا يتورعونَ عن الذهاب إلى مراكزِ التجمعِ بحجةِ أداءِ الواجبِ أو قضاءِ الحوائج. إنْ تجنبتَ قُبَلَهمْ وأحضانَهم، اغتصبوها منكَ اغتصاباً غير آبهين بخطورةِ ذلك. ماذا لو كنتُ أنا مصاباً، وماذا لو كنتَ أنتَ مصابا؟ أقول، كيف ستلقى الله يوم القيامة وقد آذيتني أو كان لفلانٍ في رقبتكَ دما؟

هؤلاء لا يكفيهم استهتارهم بحياة الآخرين بل ينسجونَ الطُرَفَ التي لنْ تُضحِكَ المنكوبين، كما لنْ تُضحِكَهم همْ إنْ تمكّنَ منهم قائدُ الموت وحاصدُ الأرواح.

وهنا وجبَ القول إنَّ فريقاً آخرَ قد انتصبَ شامخاً في منتصفِ الموج العاتي، لا يأبهُ بعاصفة المهوّلين ولا ينبطحُ لهدوءِ المستهترين، وهم الفئةُ التي آمنتْ بربها فكانتْ أمةً وسطا. أمة اتخذتْ كلَ تدابيرِ السلامةِ والوقايةِ وجعلتْ من حفظِ النفسِ والدمِ شِرعةً ومنهاجاً، وتوكلت على الله الذي لا تضيعُ ودائعه؛ فاللهُ خيرٌ حافظاً وهو أرحمُ الرحمين.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .