العدد 4196
الجمعة 10 أبريل 2020
العزلُ المنزلي... قرّبَنا
الجمعة 10 أبريل 2020

كائنٌ لا يُرى بالعينِ المجردة، لمْ يتوصل العلماءُ لمعرفةِ ماهيتهِ بعد، يفتكُ بالبشر ويُسقط الآلافَ من الضحايا بلا رحمة! لا يُفرِّقُ بين غنيٍ ولا فقيرٍ ولا أبيضَ ولا أسودَ ولا عربي ولا أعجمي. فيروسٌ حقيرٌ يشنُّ هجومهُ على الكرةِ الأرضيةِ برُمتِها؛ فيَهْلَكَ منْ يهْلك، ويسْقم منْ يسْقَم وينجو منْ ينجو. هي الحربُ إذاً! حربٌ من الطرازِ الحديث، فيروسيةٌ بامتياز، حربٌ لا تعرفُ فيها العدو؛ فتعجز عن منازلته، ولا تملكُ الأسلحةَ اللازمةَ للقتال وأنتَ في أشدِّ الحاجةِ إليها لتنجو. حربٌ لا تنفعُ معها المواجهة، من واجهَ اسْتُشهِدَ ومنْ اِختبأ خلفَ أكياسِ الرمالِ نجا، نعم، هذا هو السبيلُ الوحيدُ لقتالِ هذا العدوُ الآثم، البقاءُ خلفَ جدرانِ الرمال، عزلنا أنفسَنا كي ننجو وبقينا في مساكننا كي نحاربَ العدوَ الخفي، لا أسهلَ من هذا القتال! معركةٌ بلا دماء، ودفاعٌ بلا استنزاف.

بقاؤنا في منازِلنا باتَ مسؤوليةً وواجباً وطنياً يحتِّمهُ علينا العقلُ والشرعُ كي نحقنَ الدماءَ ونُحافظَ على الأنفس، وخلالِ هذا الحجر تعرّفنا على أنعُمٍ كنا نعِدُّها مسلماتٍ للحياة، أدركنا كم هو جميلٌ أنْ نجتمعَ مع أحبتنا ونتشاركَ أفراحَنا وأحزانَنا، أنْ نفهمَ بعضَنا، وأنْ نُسْهِمَ بدورٍ أكبرَ في محيطِ عيشنا المشترك؛ فنمد يد العون للمحتاجين والمتضررين والمرضى، اختبرنا مشاعرَ التعاطف المخلصة مع أفرادِ أُسرِنا؛ فقدّرْنا تضحياتِهم بعد أنْ لمسناها عن كثب.

علمنا الآنَ أنّا نحتاجُ لتطهيرِ أرواحِنا من دنس الدنيا، قبل أيدينا، كي يقبلَنا اللهُ في بيته الحرام ويفتحَ لنا أبوابَ مساجده، اكتشفنا أنَّ امتعاضَنا من النهوضِ صباحاً للذهابِ لأعمالنا ومدارسنا محضُ نُكرانٍ للنعم، وأيقنا أننا جحدنا الخيرَ في تجمُّعاتِنا ووصل أرحامِنا، الشيء الذي كنا نتثاقلُ من القيامِ به في أيامِ الصحةِ والرخاء، بتنا نتعطشُ للحياةِ التي ظنناها عاديةً جداً وهي ليستْ كذلك.

والأهمُ أنّا تعلّمنا الدرس؛ فالفيروسُ أيقظَنا واللهُ أدَّبنا والعزلُ المنزليُ قرَّبنا.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .