العدد 4202
الخميس 16 أبريل 2020
النفط في زمن الكورونا... ما الذي فعلته السعودية؟
الخميس 16 أبريل 2020

كان المصدرون الشهر الماضي يتطلعون إلى تفاهم أوبك+ الذي قدمت فيه السعودية خطة يستفيد منها جميع المصدرين، والبقاء على سعر يتراوح بين 50 و60 دولارا. لكن رغم موافقة جميع الأعضاء، جوبهت الخطة برفض روسي قوي، دون تقديم بديل مقنع. والحقيقة أن الروس لم يقصدوا مناكفة السعودية حيث تجمع البلدين علاقات طيبة توطدت بشكل كبير بالسنوات الأخيرة، إنما موقفهم كان سياسياً بالدرجة الأولى ضد الولايات المتحدة، ونزول الأسعار سيضر بمنتجي النفط الصخري هناك ويخرجهم من السوق خلال فترة قصيرة، وهم منذ ثلاث سنوات ينتجون بكل أريحية خارج اتفاق أوبك+.

السعودية أيضاً من مصلحتها المتجردة أن يخرج النفط الصخري الأميركي من السوق، لكن حساباتها مختلفة تماماً، فمخزون الصخري الأميركي لا يتعدى 10 % من المخزون العالمي الموزع على 40 دولة (أميركا تمتلك 85 من 345 مليارا) وتوقفت أكثر من 200 منصة لها منذ ذروتها عام 2019، وهي تشكل 63 % من الإنتاج الأميركي البالغ 13 مليونا، وبحسبة بسيطة فإن هذا المخزون سينضب بعد أقل من 20 عاما، ناهيك عن أن جميع شركات النفط الصخري مدينة للبنوك بنسب مرتفعة جداً، كذلك للسعودية استثمارات متعددة في القطاع النفطي الأميركي وتمتلك أكبر مصفاة أميركية (Port Arthur) بنسبة 100 %.

بعد ست ساعات من المفاوضات الصعبة بقي وزير الطاقة الروسي على تعنته، ثم خرج في المؤتمر الصحافي ليصرح بأن الدول غير ملتزمة بالاتفاقات السابقة اعتباراً من بداية أبريل. لم يتوقع الروس ولا العالم سرعة وقوة ردة الفعل السعودية التي صرحت على الفور برفع إنتاجها إلى 13 مليون برميل، وتقديم تخفيضات مغرية للمستوردين، فسحبت البساط من تحت الجميع وهوت الأسعار لتلامس 20 دولارا، فإن كان هناك من تهمه المصلحة الذاتية فقط، حتى لو أضرت بمصالح الآخرين، فالجميع يستطيع فعل ذلك بل سيضطر لفعل ذلك، لهذا صرح وزير الطاقة السعودي بأن كل منتج في سوق حرة يحتاج لاستعراض تنافسيته والحفاظ على حصته وتعزيزها.

بعدها ظهر التخبط الروسي في تصريحاتهم لإلقاء اللوم على السعودية، وتم الرد عليها بتصريحات سعودية قوية توضح فيها ما جرى وتحمل الروس كامل المسؤولية، بعد ذلك بدأ الروس بتليين تصريحاتهم وتحريك الدبلوماسية للتوصل لحل، ليس الروس فقط بل الرئيس الأميركي بدأ يواجه ضغوطا داخلية كبيرة من منتجي النفط وأعضاء الكونغرس الذين بعث بعضهم رسالة لسمو ولي العهد السعودي يطلبون منه إعادة النظر في القرارات الأخيرة. بعد اتصالات دبلوماسية مكثفة أعلن ترامب عن اتصاله بولي العهد، وأن تفاهمات سعودية روسية أجريت ويتوقع تخفيض 10 إلى 15 مليون برميل يومياً. فصرح ولي العهد بدعوة لعقد اجتماع أوبك+ تقديراً لطلب الرئيس الأميركي، وهذا التصريح دعم ترامب وقوى موقفه تجاه الضغوط الداخلية، ورفع سعر الأسواق فوراً 30 %. بعد ذلك أجري اجتماع أوبك+ وجميع منتجي النفط تقريباً بما فيهم أميركا ودول أميركا الجنوبية، وتم الاتفاق على تخفيض 10 ملايين، وتحملت أميركا حصة تخفيض المكسيك التي لم تستطع تخفيض أكثر من 100 ألف لأسباب فنية متعلقة بطبيعة النفط المنتج لديها. فهل انتهت الأزمة؟ تقريباً نعم, ولكن من المنتظر الفترة القادمة أن يشارك الأميركان أيضاً في هذا التخفيض، وإن لم يتم الإعلان رسمياً لأسباب قانونية تمنع إجراء اتفاقات سعرية بين شركات النفط الأميركية. ما قامت به السعودية يضع الكل أمام مسؤولياتهم، ويوزع المصلحة على الجميع بعيداً عن الأنانية والمناكفات السياسية. ليس هذا فقط، بل استفادت وقت الانهيار بقيام صندوق الاستثمارات السعودي بشراء حصص بمليارات الدولارات في أكبر شركات النفط الأوروبية.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .