العدد 4216
الخميس 30 أبريل 2020
“حتى لا ينقطع عنا الوحي”!
الخميس 30 أبريل 2020

عندما كان الطلابُ يقومون للمعلمِ حالَ دخوله لأداء التحية، كانوا يقومون كُسالى يُراؤونَ المعلم، لكنهم ممتعضون، وما دارَ بخلدهم يوماً بأنهم سيتمنون لو تعودُ الحياةُ كما كانت؛ فيقومون للمعلم تبجيلاً واحتراماً وتقديراً لدوره الجليل الذي أدركوه للتو بعد إغلاقِ المدارس وإلزامِ الطلاب بالبقاء في منازلهم، حمايةً لهم وخوفاً عليهم من العدوى. أدرك الطلابُ وأولياءُ الأمور أنْ لا غنى لهم عن المعلم، وأنه كاد حقاً أن يكون رسولا، وخجل المجتمعُ الذي ينتقصُ من شأن المعلمين في وسائل التواصل الاجتماعي من سوءِ تقديرهم لعظمِ خطرِ هذه الفئة في المجتمعاتِ والأمم، فمن مجتمعٍ يُقزّمُ دورَ المعلمين ويظنُ أنهم لا يقومون بدورهم كما يجب، ظناً منهم بأنهم مسؤولون عن نجاحِ أو فشلِ أبنائهم أكاديمياً وأخلاقياً، إلى مجتمع يرفعُ من مكانة المعلم ويبالغُ في شكرهِ وعرفانه له عبر الرسائلِ النصيةِ والشفهية.

لطالما كانت الشكاوى تنهال سابقاً على فئة المعلمين كرشاتِ المدافع، تُقوّضُ كلَ جهودهم وسهرهم ومعاناتهم، لا يعلمون كم نالهم من عناءِ السهرِ حتى اتصلَ عندهم الليلُ بالنهار، بلا نومٍ ولا راحةٍ؛ ليقدموا مادةً ثريةِ حسبَ معاييرِ الجودةِ لأبنائهم الطلبة في اليوم التالي، فيُجازون بالنكران وعدم الاهتمام من الطلابِ الذين اتخذوا من المعلمِ عدواً لهم لا والدا.

بالشكر تدومُ النعم، فها هي نعمةُ التعليم والمعلم تزول، وهاهم الطلابُ والطالباتُ مُجبرون على التعلمِ والفهمِ والتحليلِ وكتابةِ الواجباتِ وتقديمِ الامتحانات عن بعد بأنفسهم، وبالرغم من كلِ الصعوباتِ والتحديات، يواصلُ المعلمُ، هذا الجنديُ المجهول رسالته بإخلاصٍ وحب في تعليم هذا الجيل وتربيته عبرَ الفضاءِ الإلكتروني دونَ كللٍ أو ملل وبواقعِ ساعاتٍ أطولَ وجهدٍ أكبر عما كان عليه داخلَ الحرمِ المدرسي؛ كي ينتج دروساً إلكترونيةً معقدةً لم يعتد على إعدادها، ويجيب على تساؤلاتِ الطلابِ عبر الهاتف، ويعد الأنشطة من إنتاجه الخاص، غير معتمدٍ على أنشطةِ المنهج، ويقدمَ الامتحانات للطلبة، ويقوم بالتصحيحِ والتدقيقِ والرصدِ وشرحِ الدروس عن بعد وتسجيلِ الحضورِ للدروس في العالمِ الافتراضي.

اليوم تجلى لنا بالوباء أن المعلمينَ الركائز التي تقومُ عليها المجتمعاتُ المتحضرة، وأنَّ غيابَهم يهدمُ الحضارات ويقوّضُ القيم ويقتلُ الإبداع ويقطعُ الوحي. اليوم أدركَ الجميعُ، في حالة من رد الحق لأصحابه، أنَّ المعلمينَ والمعلمات فرسانُ العلمِ وجنوده المجهولون.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .