العدد 4263
الثلاثاء 16 يونيو 2020
السعادة قرار أم قدر محتوم؟
الثلاثاء 16 يونيو 2020

مازالَ الإنسانُ في بحثٍ حثيثٍ عن السعادةِ منذُ القِدَم؛ فتراهُ يبذلُ فِكرهُ ومالهُ في سبيلِ الوصولِ إليها، لكنها تبقى سراً لا يُدْركهُ إلا السعداءُ حقاً؛ فكيف نُعرِّفُ السعادة؟

السعادةُ مفهومٌ يختلفُ في تعريفهِ الفلاسفةُ والمفكرونَ والبسطاءُ من الناس؛ فبينما يظنُ البعضُ أنَّها الغنى والثراء وامتلاك الأموالِ الطائلة، يرى الفلاسفةُ والمفكرون أنها شعورٌ مرتبطٌ بالغيابِ الواعي للألمِ والإزعاج. يقول الفيلسوف “نيكولا شامفور” إنَّ السعادةَ ليست بالأمرِ الهين، فمن الصعبِ أنْ نعثُرَ عليها في دواخلِنا، ومن المستحيلِ أنْ نعثُرَ عليها في الخارج، بذلك نرى أنَّ مفهومَ السعادةِ هو مفهومٌ نسبيٌ يختلفُ من شخصٍ لآخر، ولا ينحصر بنطاق حسي ولا عقلاني، بل يتجاوزُ ذلك كله إلى ما هو خياليٌ كذلك، ولا عجبَ إذاً أنْ يصعُبَ حصرهُ وضبطهُ في كلماتٍ قليلةٍ تصفهُ.

أقول، إنَّ بذورَ السعادةِ تكمُنُ في دواخلِنا إلا أننا دائمي البحثِ عنها خارجَ أرواحِنا وأنفسِنا؛ فنستنزف طاقاتِنا في العملِ والعائلةِ والأموالِ وصناعةِ الأطعمة، ولو تفحَّصنا كوامنَ ذواتِنا للبحثِ عن السعادةِ الحقيقيةِ لوجدناها مختبئةً في الإيمانِ والعملِ الصالحِ السليمِ والبنّاءِ الذي ترقى به الأممُ ويُنْتجُ الرضا والسلام الداخلي لدينا. ونحنُ كأمةٍ مسلمةٍ نرى أنَّ السعادة في هذه الدنيا الفانيةِ تكمُنُ في اتخاذها معبراً للآخرةِ، بدون الاكتراثِ، اختيارياً، بالمحنِ التي نتعرضُ لها في هذا المعبر؛ فالسعادةُ الحقة الأبدية تنتظرُنا هناكَ في الآخرة.

السعادةُ إذاً ليستْ قدراً وليس الحزنُ قدراً هو الآخر، وبإمكانِ المرءِ أنْ يُقررَ أنْ يكونَ سعيداً بإرادتهِ وصبرهِ ورغبته، وما إنْ يُقرر ذلك حتى يشعرَ بالفرحِ لأبسطِ الأشياءِ وأصغرِها وينظرَ إليها بعينِ الرضا والحب لا السُخط والكره. الإنسانُ الذي اختارَ أنْ يكونَ سعيداً، يدفعُ عنه كلَّ ما يُنغِّصُ عليه فرحتهُ وسعادتهُ بيومه، ولا ينظرُ في شريطِ ذكرياتهِ المحزنة ولا يشعرُ بالقلقِ من الغد. ورُغمَ أنَّ البلاءات والهموم والمتاعب تحوم حوله، إلا أنه لا يسمحُ لها بالتغللِ إلى فِكرهِ وروحهِ لأنَّه قرَّرَ بوعيٍ أنْ يكونَ سعيداً. السعادةُ خيار، والحزنُ والتعاسةُ خيار؛ فاختاروا ما تستحقونهُ لأنفسِكم.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية