العدد 4268
الأحد 21 يونيو 2020
مع شيخ الإخوان والإصلاح وقوانين العمل
الأحد 21 يونيو 2020

فكرت في أن أضع لهذا المقال عنوان “كدت أن أصبح إخوانيًا”، لكنني عدلت عن هذه الفكرة تجنبًا لما قد أتعرض له من تهجم وتهكم وتندر، خصوصًا من جانب من يعرفني.

ولنبدأ من البداية، فمع فارق السن والمكانة والمقام نمَت علاقة وثيقة بيني وبين رجل الأعمال المرحوم الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله آل خليفة، ذلك الإنسان المفعم والمفرط في الطيبة والتواضع ودماثة الخلق، بعد أن أسسنا معًا في بداية الثمانينات من القرن الماضي “شركة دلمون الخليج للإنشاء والمقاولات” بالتعاون والشراكة مع شركة مقاولات هندية كبرى وأحد رجال الأعمال في البحرين، ومن خلال هذه العلاقة تعرفت على شقيقه المرحوم الشيخ عيسى بن محمد آل خليفة، الذي كان في ذلك الوقت قد أنهى، منذ فترة، مهمته كوزير للعمل والشؤون الاجتماعية التي دامت من 1975 حتى 1980، وقد جمعتني به بعد ذلك الكثير من اللقاءات، وحضرت له العديد من الندوات والمحاضرات.

وقد وجدته ورأيته، رحمه الله، شديد التمسك والالتزام بروح وقيم الدين الإسلامي الحنيف من غير تعصب أو تشنج، وكان واثقا منفتحا، ومتصالحًا مع تجليات الحداثة والتطور، ومتحليًا بفكر وسطي معتدل متسامح، مؤمنا بقيم القبول بالآخر والاختلاف والعيش المشترك، مقتنعًا بضرورة احترام مختلف الاجتهادات المذهبية والفكرية، وحريصًا وساعيًا لدعم وتوطيد اللحمة والوحدة الوطنية بين مختلف أطياف المجتمع.

كان رحمه الله، كما هو معروف، إخوانيًا، وقد كنت وقتها وربما ما أزال، أجهل فكر وفلسفة الإخوان المسلمين، ولكنني أصبت بنوع من التعاطف والتفهم لذلك الفكر، عندما كنت أسمع الشيخ عيسى وهو يطرحه ويستعرضه ويتحدث عنه بأسلوب شائق مقنع واضح سلس رصين متزن.

وقد عُرف المرحوم أيضًا بمواقفه الإنسانية والوطنية الداعمة للعمل الدستوري والمؤسسي، وإمكاناته وقدراته المتعددة، وشكلت شخصيته ظاهرة فريدة من نوعها جمعت بين مواقف وخصال وخصائص متنوعة ومتناقضة أحيانًا، فقد كان بالغ الولاء لوطنه ونظامه السياسي، وينحدر من قمة هرم الأسرة الحاكمة المعتزة بتراثها وجذورها، والمتمسكة بقيم وأنظمة الحكم الملكية المدنية، في الوقت الذي أصبح فيه، كما ذكرنا إخوانيًا معتنقًا لعقيدة الإخوان المسلمين المرتكزة على قاعدة أن “الإسلام دين ودولة، ومصحف وسيف” لا ينفك واحد من هذين عن الآخر، ومبنية على الدعوة إلى مناوئة ومنازعة ولاة الأمر والأنظمة الحاكمة والإطاحة بها بالقوة والعنف، إن اقتضى الأمر ذلك، والاستيلاء على السلطة، كما أكد ذلك سيد قطب في “ظلال القرآن” (1451/3): “لا مندوحة للمسلمين أو أعضاء الحزب الإسلامي عن الشروع في مهمتهم بإحداث الانقلاب المنشود والسعي وراء تغيير نظم الحكم في بلادهم”.

وقد تعرف المرحوم على حركة الإخوان المسلمين وانخرط في صفوفهم وتأثر بمبادئهم، التي ساهمت في تكوين وعيه السياسي والفكري عندما كان طالبًا في مصر خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، كما شهد احتدام الصراع والمواجهة بين الإخوان وقادة انقلاب يوليو 1952.

ولما انتهت فترة دراسته عاد إلى البحرين في بداية الستينات كناشط سياسي إخواني بارز، إلا أنه لم يكن يؤمن باستعمال القوة والعنف كأداة ووسيلة لإحداث التغيير والإصلاح؛ ولذلك لم تخلق عودته أي تحد أو إشكال أو تعقيد لا بالنسبة إليه ولا بالنسبة للسلطة أو النظام، فالخطوط والحدود كانت واضحة، وكانت المعادلة مبنية على الانتماء والولاء من جهة والتقدير والاحتضان من الجهة الأخرى.

وفور عودته باشر الشيخ عيسى واندمج بكل همة وإخلاص في أداء المهام والوظائف الحكومية التي أسندت إليه، وتدرج على سلم المسؤولية والخدمة الوطنية إلى أن تقلد منصب وزير العمل والشؤون الاجتماعية في العام 1975؛ عندها برزت وتألقت إمكاناته العلمية وكفاءاته الإدارية والتنظيمية والعملية وخبراته التشريعية والقانونية، فكان خلال توليه تلك المسؤولية وراء إصدار ثلاثة قوانين أساسية أصبحت منذ ذلك التاريخ القاعدة التي بنيت عليها عملية تنظيم سوق العمل وإدارة العلاقة العمالية بين أطراف الإنتاج وحفظ وضمان حقوقهم.

لقد كانت البحرين سباقة في إصدار “قانون العمل البحريني لعام 1957” كأول قانون من نوعه يصدر في منطقة الخليج العربي، والذي نظم علاقة العمل في القطاع الأهلي لمدة 35 سنة. ثم استبدل بـ “قانون العمل في القطاع الأهلي البحريني رقم 23 لعام 1976” في الفترة التي كان الشيخ عيسى بن محمد وزيرًا للعمل والشؤون الاجتماعية، وظل هذا القانون ساريًا لمدة 33 عامًا، إلى أن عُدل وطُور وصدر في شكل قانون جديد في العام 2012 باسم “قانون العمل في القطاع الأهلي رقم 36 لسنة 2012”.

وعندما كان الشيخ عيسى على رأس وزارة العمل والشؤون الاجتماعية صدر “قانون التأمين الاجتماعي رقم 24 لسنة 1976”، وكان القانون رقم 20 “بإنشاء المجلس الأعلى للتدريب المهني” قد صدر في سنة 1975، الذي ألحق هذا المجلس بشكل مباشر بمجلس الوزراء تأكيدًا على القناعة بأهمية التدريب لتنمية القوى العاملة وتسهيل اندماجها في سوق العمل.

لقد كان إصدار تلك القوانين بمثابة التتويج لعطاء الشيخ عيسى وإنجازاته في العمل الحكومي، وفي العام 1980 قرر الرضوخ إلى نزعته للعمل الخاص كحال شقيقه الشيخ عبدالرحمن، وإلى حنينه وحبه للقانون ومهنة المحاماة؛ ففتح مكتبًا خاصًا به للمحاماة والاستشارات القانونية الذي أصبح من أكبر وأشهر المكاتب في البحرين.

ويعتبر الشيخ عيسى الأب الروحي لجمعية الإصلاح، التي أصبحت أولى الجمعيات الإسلامية في البحرين، وإلى أن وافاه الأجل المحتوم ظل مترئسًا لها، مؤسسًا وحارسًا ومحافظًا على تراث الفكر الوسطي المستنير الذي بقيت الجمعية متمسكة به رغم انتمائها إلى تيار الإخوان المسلمين.

وقد استخار الباري عز وجل عبده الصالح المرحوم الشيخ عيسى في يوم 13 أغسطس 2015، مختتمًا سيرة عطرة حافلة بالمواقف المشرفة والإنجازات البارزة، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .