العدد 4282
الأحد 05 يوليو 2020
أنقذوا هذه الاستراتيجية!
الأحد 05 يوليو 2020

عندما نشرتُ في يوم الأحد الماضي مقالي الأسبوعي تحت عنوان “أين المشروع الخليجي لمواجهة التهديدات التركية والإيرانية؟” لفت نظري الأخ العزيز الصحافي السعودي المعروف جمال الياقوت، إلى أن صحيفة “الشرق الأوسط” نشرت في اليوم نفسه خبرًا يفيد بأن البرلمان العربي قد أقر قبل ثلاثة أيام “الاستراتيجية العربية الموحدة للتعامل مع دول الجوار الجغرافي”، والمقصود بدول الجوار الجغرافي تركيا وإيران.

والبرلمان العربي هو كيان سياسي انبثق من رحم الجامعة العربية وهي في سن اليأس، فانضوى تحت عباءتها، وظل يعمل “في إطارها” كما ورد في قرار إنشائه في العام 2005، ليُضم بذلك إلى متحف أو دار العجزة الخاصة بمنظمات العمل العربي المشترك.

وتهدف هذه الاستراتيجية العربية، باختصار شديد، إلى إلزام النظام التُركي بمبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول العربية والنُظم الشرعية فيها، ووقف جميع تدخلاته في الشؤون الداخلية للدول العربية، والتصدي لسياساته العدائية وأطماعه التوسعية التي تمس سيادة الدول العربية ووحدة أراضيها، وتهدد الأمن والسلم والاستقرار في المنطقة العربية، وتدعو الاستراتيجية إلى تعزيز التضامن العربي لمواجهة مصادر تهديد النظام التُركي للدول العربية.

وتضمنت الاستراتيجية الإجراءات والتدابير لإيقاف تدخلات النظام التركي في الشؤون العربية وأهمها: الطلب من الأمم المتحدة سحب القوات التُركية من سوريا وليبيا والعراق، وأن تعد الجامعة الدول العربية مذكرة ترفعها إلى مجلس الأمن الدولي بشأن سياسات النظام التركي العدائية وأطماعه التوسعية وتدخلاته في الشؤون الداخلية للدول العربية، وانتهاكه لقرارات مجلس الأمن الدولي بشأن حظر تصدير السلاح لليبيا، ودعم الميليشيات والجماعات المُسلحة، وانتهاك سيادة الدول العربية، وإيواء الأشخاص المُصنفين على قوائم الإرهاب في بلدانهم وتوفير الملاذ الآمن لهم واحتضان ودعم منصاتهم الإعلامية، ووقف محاولات تركيا للتحكم والسيطرة على منابع وممرات ومصادر المياه بالوطن العربي، وحماية الحدود البحرية والمصالح الاقتصادية للدول العربية في البحر الأبيض المتوسط من الأطماع التوسعية للنظام التُركي وسياساته وأعماله العدائية.

وبالنسبة لإيران فإن الاستراتيجية العربية الموحدة تهدف إلى وقف جميع تدخلات النظام الإيراني في الشؤون الداخلية للدول العربية، والتصدي لسياساته العدائية التي تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، ومنع تكوين أي ميليشيات مُسلحة أو تنظيمات ترتبط بالنظام الإيراني داخل الدول العربية.

وتضمنت الاستراتيجية الإجراءات والتدابير لإيقاف تدخلات النظام الإيراني في الشؤون العربية وأهمها: إعداد جامعة الدول العربية مذكرة ورفعها إلى مجلس الأمن الدولي بشأن سياسات النظام الإيراني العدائية وتدخلاته في الشؤون الداخلية للدول العربية، وتكثيف الجهود الدبلوماسية العربية مع الدول والمنظمات الإقليمية والدولية لإيضاح السياسات العدائية للنظام الإيراني التي تهدد أمن الدول العربية، ومطالبة مجلس الأمن الدولي بإلزام إيران بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي بشأن حظر تزويد ميليشيا الحوثي بالأسلحة خاصةً القرار رقم (2216)، وإلزامها بقرار مجلس الأمن الدولي رقم (2231) بشأن برنامجها النووي، ووضع “تدخلات النظام الإيراني في الشؤون الداخلية للدول العربية” بندا دائما على جدول اجتماعات مجالس جامعة الدول العربية مع الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي ومجموعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي والمنظمات الدولية والإقليمية الأخرى.

ودعت الاستراتيجية إلى النظر في إيقاف التبادل التجاري والمشروعات المشتركة بين الدول العربية وكل من إيران وتركيا لحين التخلي عن سياساتهما وأعمالهما العدائية التي تهدد السلم والأمن والاستقرار في المنطقة العربية.

ولا شك إن مبادرة البرلمان العربي بإصدار وإقرار هذه الاستراتيجية تستحق الإشادة والتقدير والثناء، وتأتي ضمن الجهود الخيرة المحمودة التي اضطلع بها هذا الكيان منذ إنشائه، إلا أن هذا الجهد المشكور قد ينتهي إلى أقبية ودهاليز الضياع والنسيان، كما حصل لمبادرات ومشاريع واستراتيجيات عربية كثيرة من قبل.

إن آليات وإجراءات العمل في البرلمان العربي، شأنه في ذلك شأن المنظمات الأخرى المعنية بالعمل العربي المشترك، تكبل وتشل وتجهض كل جهد، وتقضي على أي مبادرة وهي لا تزال في مهدها، وتحولها إلى جثة أو جنازة تنتقل بين أكتاف المعزين إلى أن توارى التراب، وعلى هذا الأساس فقد بدأ المشوار الجنائزي لـ ”الاستراتيجية العربية الموحدة للتعامل مع دول الجوار الجغرافي” عندما تقرر رفعها وعرضها أولًا، كما تقتضيه الإجراءات، على “مجلس الجامعة العربية” الذي سيجتمع على مستوى “المندوبين الدائمين” في إحدى دوراته القادمة، والذي سيقوم بدوره بدراستها في حالة إدراجها على جدول أعماله، وإذا تمت الموافقة عليها في هذه المرحلة ستحال إلى إحدى الدورات السنوية العادية للمجلس التي تعقد على المستوى الوزاري، وفي حالة اتفاق الوزراء عليها، وهو أمر مشكوك فيه بسبب تناقض مواقف الدول العربية واصطفاف بعضها إلى جانب واحدة من هاتين الدولتين أو كلتاهما، وما ستخضع له من مساومات ومزايدات، فإذا نجت الاستراتيجية من الاختناق ونجحت في تخطي هذه المرحلة فستدرج ضمن جدول أعمال أحدى دورات القمة العربية، عندها تكون الطيور قد طارت بأرزاقها.

وعلى افتراض موافقة القمة عليها فإنها في الغالب ستضاف وتصطف في طابور مثيلاتها من الاسترتيجيات والمعاهدات والمواثيق العربية المشلولة مثل “معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي” الموقعة في القاهرة في العام 1950 أي بعد عامين من قيام دولة إسرائيل، و”ميثاق التضامن العربي” الصادر عن القمة العربية للعام 1965، و ”وثيقة عهد ووفاق وتضامن بين قادة الدول العربية” الصادرة عن قمة العام 2004، أي أنها صدرت بعد عام من الغزو الأميركي للعراق، و ”إعلان صيانة الأمن القومي العربي في مواجهة التحديات الراهنة” الذي صدر عن قمة شرم الشيخ للعام 2015، و ”وثيقة تعزيز الأمن القومي العربي لمواجهة التحديات المشتركة” الصادرة عن قمة الظهران للعام 2018، وغيرها من المبادرات والمواثيق التي ذهبت أدراج الرياح ولم يتم تنفيذها أو تفعيلها أو حتى تذكرها، والملاحظ أن الاستراتيجية الجديدة استندت واستنجدت ودعت إلى تفعيل المغفور له بإذن الله تعالى “مجلس الدفاع العربي المشترك” الذي ولد كسيحا ميتا، متناسية قول الشاعر:

“لقد أسمعت لو ناديت حيًا.. ولكن لا حياة لمن تنادي

ولو نارًا نفخت بها أضاءت.. ولكن أنت تنفخ في رمادِ”.

وعلى ضوء ذلك، فإن ما نتطلع إليه ونتمناه هو أن تبادر المملكة العربية السعودية الشقيقة محفوفة بعدد من الدول العربية الفاعلة بإنقاذ هذه الاستراتيجية واحتضانها وتفعيلها بالتعاون مع الجامعة العربية أو خارج إطارها إذا اقتضى الأمر ذلك.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية