العدد 4296
الأحد 19 يوليو 2020
مع هيئة التأمين الاجتماعي وإنقاذ صناديقها (1 - 2)
الأحد 19 يوليو 2020

كل الشكر والقدير لصاحب الجلالة الملك المفدى الذي تفضل بإصدار المرسوم بقانون رقم (21) لسنة 2020 بشأن صناديق ومعاشات التقاعد في القوانين والأنظمة التقاعدية والتأمينية؛ الذي تضمن أربع خطوات إصلاحية طارئة من بين 10 توصيات رفعها مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي ووافق عليها مجلس الوزراء الأسبوع الماضي والهادفة إلى إنقاذ الصناديق التقاعدية من الانهيار، وتمديد عمرها وتمكينها من الاستمرار بالوفاء بالتزاماتها تجاه المؤمن عليهم.

ولعل ما كان ينقص قضية التأمينات الاجتماعية منذ البداية المزيد من الشفافية والتوضيح والشجاعة، فقد أسست هيئة التأمين الاجتماعي وصندوقها بموجب القانون رقم 24 لسنة 1976، وكان وقتها وما يزال من أحدث وأفضل القوانين في هذا المجال الذي وفر الحماية التأمينية للعاملين في القطاع الخاص.

وقد حدد القانون عند صدوره مصادر الدخل من الاشتراكات التي يدفعها كل شهر أصحاب الأعمال بواقع 11 % من مرتب المؤمن عليه، والعمال بواقع 7 % وذلك للتأمين ضد الشيخوخة والعجز والوفاة، إلى جانب 3 % يدفعها صاحب العمل أيضًا للتأمين ضد إصابات العمل، كما نص القانون على إلزامية توفير الحماية التأمينية لكل العاملين في مؤسسات القطاع الخاص من البحرينيين والأجانب.

وعلى أساس ما سيتم استحصاله من رسوم الاشتراكات ومن العوائد المتوقعة من استثمار أموال الصندوق، تم تحديد المنافع والمزايا التي سيتمتع بها المؤمن عليهم؛ فالعلاقة إذًا طردية ومباشرة بين الدخل الوارد للصندوق والمصروفات التي ستدفع للمؤمن عليهم وقت استحقاقها، فإذا اختلت هذه العلاقة، أي قل الدخل عن المصروفات، تبدأ الصعوبات، ولذلك فإن القانون في مادته رقم 16 أصر على أن “يفحص المركز المالي لكل فرع من فروع التأمين في الصندوق مرة على الأقل كل خمس سنوات بمعرفة خبير اكتواري أو أكثر، ويجب أن يتناول هذا الفحص قيمة الالتزامات القائمة....” وتحدد المادة ذاتها الإجراءات التي على إدارة الهيئة اتخاذها في حالة وجود فائض أو مال زائد أو في حالة حدوث عجز في أموال الصندوق.

وقد حدث أول اختلال في ميزان العلاقة الطردية بين المدخول والمصروف في الصندوق عندما تقرر في العام التالي (1977)، استثناء العمال الأجانب من إلزامية التأمين ضد الشيخوخة والعجز والوفاة؛ وذلك بموجب “مرسوم بقانون رقم (12) لسنة 1977 في شأن إيقاف العمل ببعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي بالنسبة لغير البحرينيين”، حيث نص هذا القانون على أنه “يوقف مؤقتًا العمل بأحكام التأمين ضد الشيخوخة والعجز والوفاة الواردة في قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالمرسوم بقانون رقم (24) لسنة 1976 والمعدل بالمرسوم بقانون رقم (27) لسنة 1976 وذلك بالنسبة لغير البحرينيين، على أن يتم تطبيقه عليهم فيما بعد بقرارات من مجلس الوزراء”، إلا أنه وبعد مضي 43 سنة منذ صدور ذلك القانون لم تتم حتى الآن إعادة تفعيل أو إعادة تطبيق إلزامية تأمين الأجانب كما نص عليه القانون، وقد كان رأي من قبل وما أزال أظن أن تطبيق هذا القانون بإعادة إلزامية التأمين ضد الشيخوخة والعجز والوفاة بالنسبة للعمال الأجانب، أو فرض رسوم شهرية إضافية على كل رخصة استقدام عامل أجنبي ترصد لحساب صندوق التقاعد، قد يوفر الحل أو جزء كبير منه على الأقل، إذ أن عدد المؤمن عليهم ضد إصابات العمل من غير البحرينيين والمدرجين في سجلات الهيئة يبلغ 475,294 شخصا حسب التقرير الإحصائي للربع الأول من هذا العام، لكنهم جميعًا مستثنون من فرع التأمين ضد الشيخوخة والعجز والوفاة، (مقارنة بعدد البحرينيين البالغ 97,277 شخصا).

من ناحية أخرى ولغرض تغطية العجز؛ فإن إعادة إدراج غير البحرينيين ضمن التغطية التأمينية ضد الشيخوخة والعجز والوفاة سيكون في انسجام تام مع القانون حيث تنص المادة رقم 16 منه على أنه “إذا تبين وجود عجز في أموال الصندوق ولم تكف الاحتياطيات والمخصصات المختلفة لتسويته جاز لمجلس الوزراء - بقرار منه بناء على عرض وزير العمل والشؤون الاجتماعية - منح الهيئة العامة قرضًا لهذا الغرض أو زيادة نسبة اشتراكات التأمين التي يلتزم بها كل من صاحب العمل والعامل المؤمن عليه أو التي يلتزم بها أحدهما وفقًا لما يظهره الخبير الاكتواري في تقريره بشأن أسباب العجز”.

لقد أدى قرار استثناء العمالة الأجنبية من إلزامية التأمين ضد الشيخوخة والعجز والوفاة إلى حرمان الصندوق من جزء كبير جدا ومتزايد من الدخل دون أن يتم المساس أو تخفيض حجم المزايا والمنافع المستحقة للمؤمن عليهم، كما إنه أعطى في الوقت نفسه ميزة تنافسية إضافية لصالح العامل الأجنبي مقارنة بالبحريني بالنسبة لصاحب العمل، وأصبح هذا الإجراء يعتبر أيضًا ضربًا من ضروب التمييز في العمل، وقد ظل صندوق التأمينات ساريا يوفي بكل التزاماته نحو المؤمن عليهم رغم هذه  الإعاقة التي أشار إليها وحذر من عواقبها الخبير الاكتواري في الدراسات الدورية التي يتم أعدادها بانتظام منذ البداية.

أما الخلل الأكبر أو الضربة الكبرى التي أصابت صندوق التأمينات فقد وقعت عندما تم تخفيض رسوم اشتراكات التأمين ضد الشيخوخة والعجز والوفاة في العام 1986 بواقع الثلث، في ذلك العام تردى الوضع الاقتصادي في المنطقة بشكل عام نتيجة للتراجع الحاد الذي شهدته أسعار النفط وانخفاض سعر البرميل بنسبة 75 % تقريبا عندما هبطت من 27 دولارا إلى عشرة دولارات،. إلى جانب أنه في ذلك العام كان قد مضت 6 سنوات منذ اندلاع الحرب العراقية الإيرانية التي ظلت مشتعلة حتى العام 1988 وأحدثت آثارا وتداعيات سلبية مدمرة على اقتصادات دول المنطقة، بما في ذلك البحرين، في ذلك الوقت كنت عضوا في مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة البحرين، وقد شاركت في الحملة التي تبنتها وقادتها الغرفة للمطالبة باتخاذ الإجراءات التي من شأنها تخفيف الضغوط والأعباء عن كاهل رجال الأعمال ومؤسسات القطاع الخاص في تلك الظروف الصعبة ولكي يتمكنوا من تخطي واجتياز تلك المرحلة الحرجة، وقد تجاوبت الحكومة مشكورة مع الغرفة واستجابت لطلبها باتخاذ جملة من المبادرات والتي كان من بينها تخفيض رسوم اشتراكات التأمين بواقع الثلث بالنسبة لفرع التأمين ضد الشيخوخة والعجز والوفاة، من دون المساس أيضًا بالمنافع والمزايا التي يستحقها المؤمن عليهم.

وفي سبيل التوصل إلى هذا الاتفاق فقد خاض أعضاء مجلس إدارة الغرفة، وكنت من بينهم، جولات من المناقشات، وعقدت سلسلة من الاجتماعات مع الوزير المختص وقتها المرحوم الشيخ خليفة بن سلمان بن محمد آل خليفة وزير العمل والشؤون الاجتماعية، ومع الطاقم الإداري والفني لهيئة التأمين الاجتماعي برئاسة المرحوم الشيخ عيسى بن إبراهيم آل خليفة المدير العام للهيئة الذين كانوا شديدي التمسك والحرص والغيرة على سلامة أوضاع الصندوق وحقوق المؤمن عليهم، وحذرونا بالحقائق والأرقام من مغبة تخفيض الاشتراكات. ولا أعتقد أن أي ممن ما يزال حيا من أعضاء مجلس إدارة الغرفة من الذين شاركوا في المناقشات يستطيع أن ينسى تحذير خبير الهيئة، السيد بدران عندما قال في ختام الاجتماعات: “إن الأجنة المستقرة الآن في أرحام أمهاتها لن تغفر لنا تفريطنا في حقوقها”.

وعلى كل حال، وعلى قاعدة “أن للضرورة أحكامها”، وبعد مخاض عسير صدر المرسوم بقانون رقم (20) لسنة 1986 بتعديل قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالمرسوم بقانون رقم (24) لسنة 1976، حيث جاء في مادته الأولى: “تخفض الحصة التي يلتزم صاحب العمل الخاضع لأحكام قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالمرسوم بقانون رقم (24) لسنة 1976 بسدادها للهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية وقدرها 11 % إلى 7 % من أجور المؤمن عليهم العاملين لديه، كما تخفض الحصة التي يلتزم المؤمن عليه الخاضع لأحكام هذا القانون بسدادها للهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية إلى 5 % من أجره الشهري، وذلك كله بالنسبة للاشتراكات عن التأمين ضد الشيخوخة والعجز والوفاة. ويلغى كل نص ورد في هذا القانون يخالف هذا الحكم”؛ وهكذا طار ثلث دخل الصندوق من رسوم التأمين ضد الشيخوخة والعجز والوفاة، وظل الصندوق يعاني من هذا الاقتطاع في المداخيل لأكثر من 20 عاما حتى العام 2007 عندما رفعت الرسوم بنسبة إجمالية قدرها 4 % فقط.

وللحديث بقية غدًا.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية