العدد 4303
الأحد 26 يوليو 2020
إبليس ولا إدريس!
الأحد 26 يوليو 2020

نقول لجيل اليوم وأجيال الغد من الشباب العربي أن احذروا ولا تنخدعوا كما انخدعنا وانخدع جيلنا والجيل الذي سبقنا بشعارات ومزايدات الانقلابيين ومن يسمون أنفسهم بالثوريين، وتذكروا أن من بين الكوارث العديدة التي حلت بأمتنا، ما حصل ويحصل اليوم في ليبيا وما تعانيه هذه الدولة الشقيقة وشعبها الوفي من تداعيات دموية مرعبة.

ففي مثل هذه الأيام من العام 1969 كان ملك ليبيا إدريس السنوسي؛ الملك الزاهد الورع البالغ من العمر وقتها قرابة 80 عامًا يقضي مع زوجته الملكة فاطمة عطلته الصيفية متنقلًا بين تركيا واليونان للعلاج والاستجمام.

وبعد بضعة أسابيع، وفي اليوم الأول من شهر سبتمبر من العام نفسه وقع انقلاب عسكري قاده ثلة من صغار الضباط بالجيش الليبي يتقدمهم ضابط صغير برتبة ملازم أول لا يتجاوز من العمر 27 عامًا اسمه معمر القذافي.

في ذلك اليوم كان الملك إدريس في تركيا مقيمًا في أحد فنادق إسطنبول، فزاره في مكان إقامته وفد من الحكومة التركية ليبلغه بنبأ الانقلاب، وليؤكد له أن تركيا على أتم الاستعداد للمساعدة في أي اتجاه يختاره أو يطلبه منها.

ومع أن الملك إدريس كان يدرك بأنه ما يزال يمثل الشرعية الليبية في ذلك الوقت، وإن له وشائج وعلاقات وطيدة مع كل شيوخ القبائل الكبرى في ليبيا، ومع ضباط كبار موالين له في الجيش الليبي، وتربطه اتفاقيات ومعاهدات مع بريطانيا والولايات المتحدة؛ إلا أنه كان وطنيًا حتى النخاع؛ فلم يحاول الاتصال بشيوخ وزعماء القبائل أو بكبار ضباط الجيش الليبي خشية أن يؤدي ذلك إلى إراقة دماء الليبين وتفتيت وحدة الوطن إذا تم التصدي ومواجهة الانقلابين، ولم يتجاوب مع عرض الحكومة التركية أو يحاول الاتصال بالأميركيين أو الإنجليز؛ لأن مسألة التدخل الأجنبي غير واردة لديه إطلاقًا لأسباب عدة مبدئية، وأخرى عملية منها العوائق الدستورية.

وقد اعتاد الانقلابيون العسكريون في الوطن العربي فور نجاحهم في تغير نظام الحكم، وإزاحة الحكام الشرعيين والتربع مكانهم على كراسي السلطة، والقضاء على رموزهم إما بالنفي أو السجن أو القتل؛ أن يقوموا بإثارة مشاعر الجماهير وتحريك الناس وإخراجهم من بيوتهم وأعمالهم، ودفعهم إلى الشوارع للتظاهر وتنظيم المسيرات تأييدًا للانقلابيين وتنديدًا برموز الحكم السابق، رافعين شعارات براقة ترحب بالحرية والديمقراطية المرتقبة، وبالعدالة والكرامة وبالاستقلال والتقدم والازدهار والاشتراكية أيضًا التي سيتم تحقيقها كلها على أيدي الحكام الجدد؛ منددين في الوقت نفسه بالاستبداد والظلم والفساد والفجور المزعوم للحكام السابقين الذين أطيح بهم، وذلك في محاولة يائسة ومكشوفة من الانقلابيين لإضفاء صفة “الثورة الشعبية” على حركتهم الانقلابية.

ولم يشذ الانقلابيون العسكريون الليبيون عن هذه القاعدة؛ كما أكد ذلك ابن عم معمر القذافي ومندوبه الشخصي أحمد قذاف الدم، بعد ست سنوات من سقوط نظام القذافي للسيد طاهر بركة مقدم برنامج “الذاكرة السياسية” بمحطة تلفزيون “العربية” في حلقة تحت عنوان “أسرار في حياة القذافي كما يرويها أقرب شخص له” عندما قال: “في صباح يوم الثورة توجهنا في مظاهرات لنحرك الشارع الليبي لتأييد الثورة...... “.

وهكذا قام الانقلابيون بدفع الناس إلى الشوارع في مختلف المدن الليبية، وزودوهم بالشعارات المعتادة، الا أن المشهد الليبي رفع شعارا فريدا وخاصا بالحالة الليبية ضمن الشعارات المنددة بالحكم السابق وهو “إبليس ولا إدريس”، فلما سمع الملك إدريس هذا الشعار قال: “اللهم استجب دعوتهم” فكان له ما أراد واستجاب الله لدعوته ودعوتهم.

وكان معمر القذافي قد ولد في العام 1942 في قرية تسمى “جهنم” بمدينة سرت الليبية.

وبعد عامين من مداولات صورية لمحكمة عسكرية استثنائية شكلها القذافي؛ حُكم على الملك إدريس غيابيًا بالإعدام رميًا بالرصاص ومصادرة أملاكه، وعلى زوجته الملكة فاطمة الشفاء بنت المجاهد الكبير أحمد الشريف بالسجن خمس سنوات ومصادرة أملاكها، إلى جانب تجريدهما من الجنسية الليبية.

وفي الحقيقة لم يكن ثمة ما يبرر القيام بانقلاب عسكري والإطاحة بالنظام الملكي في ليبيا، فالملك إدريس لم يرتكب أي جرم يستدعي الإطاحة به والحكم بإعدامه، والنظام الملكي في ليبيا لم يكن ديكتاتوريًا طاغيًا متسلطًا مستبدًا، ولم يرتكب جرائم في حق الإنسانية أو مجازر وحشية بحق شعبه كما فعل نظام القذافي وغيره من الأنظمة الانقلابية، ولم يعرف الملك إدريس الفساد المالي أو الأخلاقي، ولم يبدد خيرات شعبه وثروات بلاده كما فعل من أتى بعده، ولم ينصب العداوة لجيرانه، أو يتدخل في شؤونهم الداخلية، ولم يشن أو يعرض بلاده لحرب أو اعتداء، ولم يفرط في ذرة من تراب الوطن.

هذه حقائق دامغة معروفة لا تقبل النقاش ولا يطالها الشك أو الريب.

ولقد شن الانقلابيون الليبيون، شأنهم في ذلك شأن أقرانهم من الانقلابيين العرب، حملة شعواء ظالمة للتشهير بالملك إدريس وطمس صورته الحقيقية، وإسقاط اسمه من التاريخ، وقطع الذاكرة الوطنية عنه، وعملوا جاهدين على تشويه سمعته، وانكروا إنجازاته وتنكروا للدور التاريخي الرائد الذي اضطلع به في تحقيق استقلال ليبيا ووحدتها.

لقد استجاب الله بالفعل لنداء المتظاهرين ولدعوة الملك إدريس، فصار القذافي أكثر شرا وفسادً ودمارًا من إبليس على ليبيا ومقدرات شعبها؛ فخلال أيام من قيام الانقلاب تمكن القذافي من إحكام قبضته على مقاليد السلطة، وصار الديكتاتور المتسلط والحاكم الفعلي الوحيد للبلاد طيلة 42 عاما، وألغى الدستور الليبي لتظل البلاد بلا دستور طيلة فترة حكمه، كما ألغى القذافي الصحافة الحرة وكل التنظيمات السياسية والمنظمات والجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، وتفتق ذهنه عما أسماه بـ “النظرية العالمية الثالثة” وقيام “سلطة الشعب” التي تمكن من خلالها من تفريغ المؤسسات الدستورية والسلطات الرقابية من دورها ومحتواها وسلطاتها.

وبعد أن هيمن على الساحة والمشهد الليبي من كافة جوانبه، وأحكم سيطرته على مقاليد الحكم وثروات البلاد، وأصبح القائد والزعيم الذي لا ينازع، بدأت طموحاته وأطماعه وأحلامه تتمدد إلى خارج الحدود الليبية؛ وأصبح يصف نفسه بأنه “ملك ملوك إفريقيا” و”إمام المسلمين” و”عميد الحكام العرب”، وأنه “قائد ومفكر أممي”.

ولم يتورع القذافي عن الانخراط في أعمال العنف والإرهاب ودعم وتمويل الجماعات الإرهابية، وتدبير الاغتيالات والتصفيات الجسدية، وتتبع وقتل المعارضين، وتفجير الطائرات المدنية، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وتشجيع الاضطرابات وتدبير المؤامرات والانقلابات فيها، والدخول في مواجهات دبلوماسية وعسكرية مع مختلف القوى، واجتياح حدود الدول المجاورة في إفريقيا، وتعريض ليبيا للقصف والحصار والعزلة والعقوبات الدولية ودفع التعويضات الباهظة وتبديد ثروات الشعب الليبي وخيراته.

وبعد مضي 42 عامًا من انقضاء حكم إدريس الملك الورع؛ تخلص الشعب الليبي والأسرة الدولية من حكم إبليس القذافي المستبد.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .