العدد 4327
الأربعاء 19 أغسطس 2020
شياطين الجيوب الافتراضيون
الأربعاء 19 أغسطس 2020

مَنعت ما لم يكن ممنوعاً، وسمحت بما لمْ يُسمح به، ورأينا العجب وتلاشي العتب وزيادة الطلب في زمن كورونا الذي حجَرَ العالمينَ في منازلهم مكرهين؛ فتوقفتْ الحياةُ عن جريانِها والأحياءُ عن الجري وراءَ ملذاتهم، غير أنهم سُرعانَ ما ملوا العزلةَ وتاقوا للخروج وارتيادِ المطاعم والتبضعِ في الأسواق والمجمعاتِ التجارية، لكنهم كانوا في غاية الحذر، من الخروج والاختلاط واحتماليةِ انتقالِ المرض، ففضَّلوا التبضعَ عبرَ الفضاءِ الإلكتروني لشراءِ احتياجاتهم اليومية كافة.


صار رائجاً جداً أن يلجأَ الناسُ إلى تطبيقات التسوقِ الإلكترونية كلما شعروا بالحاجةِ للشراء، فما عليهم سوى وضع المنتجاتِ التي يرغبونَ بشرائها في سلةِ المشتريات وإتمامِ عمليةِ التسوق بالدفع الآلي بمجردِ النقرِ على شاشاتِ هواتفِهم وهم جلوسٌ في مقاعدِهم في المنزلِ أو أماكن العمل وانتهى الأمر، ومع أنَّ التسوقَ عبرَ الإنترنت كان موجوداِ وبكثرة، إلا أنَّ الوباءَ والحجر ساهما في رواجه بشكلٍ أوسع، حتى باتَ الوسيلةَ الوحيدةَ والمثلى إبّان الجائحة بالنسبةِ للغالبية العظمى من الناس.

صار الجميعُ يلجأُ لهذا النوع من التسوق لشراءِ مستلزماتِهم اليومية على اختلافِ أنواعها واستخداماتها، وفي ظلِّ هذه الحاجة الطارئة نَمتْ فاصولياءُ الجشعِ والاستغلال التجاري لدى المسوِّقين في العالمِ الافتراضي كشجرةٍ لا تنوي التوقفَ عن الاستطالة؛ فاستغلَّ هؤلاء حاجةَ الناس، وغرُّوهمْ بالعروضِ والتخفيضات، حتى جعلوا يقتَنونَ ما يحتاجونهُ وما لا يحتاجونَ إليه، بل إنَّ هذا الوضع الطارئ أخرجَ لنا مشاريعَ منزلية رائدة بسبب الحاجةِ التي وضعتْ كورونا بها بعضَ الناس لخسارتِهم أعمالَهم أو انحسارِ الرغبةِ في الشراءِ الواقعي لمنتجاتِهم بسبب الحجر أو فقر القدرةِ الشرائية العامة، ازدحمتْ الأسواقُ الإلكترونية بالمنتجاتِ والعروض وزادَ الطلبُ بالرغم من العجزِ الاقتصادي بصورةٍ لا تقبل التفسير أو التحليلات الاقتصادية المنطقية.


وإنْ بقيَ الوضعُ على هذه الشاكلة، فسيلِج العالمُ في دوامةٍ أكبرَ من الكسادِ الاقتصادي والجوع والفقر والمرض كذلك، إذْ إنَّ هذه الأموال التي تُنفقُ على الهباء كان الأولى بها أنْ تُصرفَ على التعلمِ وبناءِ الذاتِ والعلاجِ والحاجاتِ الأساسية، لا الكماليات والتوافه من الأمور التي يمكنُ الاستغناءُ عنها، ناهيكَ عن تضييعِ المال في شراءِ لوازمَ لم يُعتَن بقياساتِها وألوانِها ومادتها كما يجب فأتتْ مغايرةً لحاجاتِ المتسوقين الذين لا يستطيعون غالباً استبدالها أو استرجاع أموالهم إنْ أبدوا شكواهم وامتعاضَهم من المنتجات. فمتى نقطعُ شجرةَ الفاصولياء تلك، لنمنعَ عملاقَ الجشعِ التجاري الافتراضي من الوصولِ لحافظاتِ نقودِنا؟.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية