العدد 4331
الأحد 23 أغسطس 2020
الإمارات وإسرائيل.. الفلسطينيون ومشاريع الحل السلمي والتطبيع
الأحد 23 أغسطس 2020

يبدو أن الإرادة الإلهية قد شاءت بأن يُمتحن ويُبتلى الشعب الفلسطيني الشقيق، منذ بداية محنته وحتى الآن، بقيادات ظلت غارقة في دوامات الاختلاف والانقسام والتناحر، ومتورطة بقدر غير قليل من الفساد، وأن تستباح قضيته العادلة من قبل المزايدين والسماسرة وتجار الشعارات؛ إلى أن وصلت إلى هذا الحال من الركود والجمود والانسداد بعد أن فشلت كل محاولات العرب العسكرية لحسمها، وبعد أن تم رفض أو اجهاض كل المبادرات والمشاريع السلمية لحلها.

وما أشبه الليلة بالبارحة؛ فعندما كانت فلسطين واقعة تحت الانتداب البريطاني، وانتفض الفلسطينيون ضد تدفق موجات الهجرة اليهودية إلى أرضهم، واحتدمت المواجهات بينهم  وبين المهاجرين اليهود خلال الأعوام 1936-1939، شكل الملك إدوارد الثامن “لجنة بيل الملكية البريطانية PEEL COMMISSION”  برئاسة اللورد بيل؛ هدفها دراسة الأسباب وراء تفجر الأوضاع، وتقديم توصيات بشأن حل النزاع بين العرب واليهود في فلسطين.

وبعد أن وصلت اللجنة إلى القدس في العام 1936 دعت الفلسطينيين واليهود إلى سلسلة من اللقاءات والاجتماعات، فسارع اليهود إلى تشكيل فرق من المفاوضين مكونة من 40 شخصًا بارزا بقيادة حاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية العالمية الذي أصبح رئيس دولة إسرائيل بعد قيامها، أما الفلسطينيون فقد كانوا منقسمين بين زعامة المفتي الحاج أمين الحسيني رئيس اللجنة العربية العليا، وراغب النشاشيبي رئيس حزب الدفاع الوطني.

كان المفتي أمين الحسيني هو صاحب الوزن الأثقل في معادلة القيادة الفلسطينية، وقد قاطع اللجنة ورفض الاجتماع بها حتى اللحظة الأخيرة بعد أن ألح عليه المغفور لهم جلالة الملك سعود والملك غازي ملك العراق والملك عبدالله أمير شرق الأردن وقتها، فشارك بوفد مكون من 11 شخصًا قبل أسبوع من انتهاء مهمة اللجنة التي استغرقت عامين (1937-1938).

ومع ذلك فقد تضمنت توصيات اللجنة تقسيم فلسطين إلى دولتين بين العرب واليهود، بحيث نال اليهود أقل من ثلث المساحة التي خصصت للعرب والتي ضمت مدينتي حيفا ويافا، وأبقيت مدن القدس وبيت لحم والناصرة تحت الانتداب البريطاني، وفُرض على الدولة اليهودية دفع معونات مالية لدولة الفلسطينيين.

وعلى مضض قبل الصهاينة بالقرار من حيث المبدأ، ورفضه أمين الحسيني جملة وتفصيلًا.

وقتها أيضًا كانت الاتهامات تتبادل بين القادة الفلسطينيين، فقد اتُهم راغب النشاشيبي بالخيانه، وبدوره اتهم الطرف الآخر بـ”الإرهاب وارتكاب المذابح، وتحويل الثورة لمصالحهم الشخصية، والاستيلاء على أموال الفلسطينيين المخصصة لشراء السلاح والذخيرة” (راجع عدد 24 أكتوبر 1938 من جريدة YORKSHIRE POST)، ، فضاعت الفرصة التي وفرتها لجنة بيل.

وبعد عشر سنوات رفض الفلسطينيون والعرب حل التقسيم إلى دولتين الذي أقرته الأمم المتحدة في العام 1947, وحاولوا وقتها حل هذه القضية بالقوة العسكرية؛ فكانت الهزيمة العسكرية الأولى لعام 1948 التي تمكنت إسرائيل فيها من المحافظة على المساحة المخصصة لها حسب قرار التقسيم، والسيطرة على 50% من الأراضي التي كانت مخصصة للفلسطينيين. وتأسف عقلاء الفلسطينيين والعرب؛ لأنهم ضيعوا الفرصة التي وفرها حل التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة.

ولم يكن للفلسطينيين يد أو رأي  في “حرب العدوان الثلاثي” التي نشبت في العام 1956 بسبب قرار  الرئيس جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس، والتي تمكنت إسرائيل فيها من تدعيم قوتها عندما احتلت سيناء ثم انسحبت منها بضغوط أميركية، بعد الحصول على تعويضات وصفقات تسليح وضمانات استراتيجية.

ثم جاءت الطامة الكبرى وفضيحة أو مصيبة حرب الأيام السته أو حرب 1967، بعد قرار الرئيس عبدالناصر “إزالة آثار العدوان”، وقد حققت إسرائيل في هذه الحرب انتصارًا كاسحًا، وهزمت ثلاث دول عربية، واحتلت قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وهضبة الجولان السورية؛ وهكذا جربتنا اسرائيل في ميادين القتال، ونحن جربنا محاولات الحل العسكري معها.

وكان العرب والفلسطينيون قد قاطعوا الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة عندما دعا في العام 1965، قبل هزيمة 1967 بعامين، إلى إنهاء الخلاف مع إسرائيل والتصالح معها والاعتراف بها كدولة في حدود ما قبل 1967، وقد رفض الفلسطينيون والعرب معهم مشروع بورقيبة بعد اتهامه بالخيانة، ثم قالوا بعد الهزيمة بحسرة وحرقة ليتنا قبلناه.

كما قاطع الفلسطينيون والعرب مصر بعد قيام الرئيس الراحل أنور السادات بزيارة إسرائيل في العام 1977 والاعتراف بها، والدخول معها في مفاوضات مباشرة استعاد من خلالها كامل الأراضي المصرية التي احتلتها في حرب 1967؛ ولم يقبل الفلسطينيون والعرب دعوة السادات لهم للمشاركة معه في تلك المفاوضات بهدف استعادة حقوقهم وأراضيهم؛ فرفضوا دعوته، واتهموه بالخيانة أيضًا، ثم تحسروا بعد ذلك وبعد فوات الأوان.

من هذا المنطلق فإننا نتعاطف بقوة مع كل المخلصين والغيورين من المدافعين عن حقوق الشعب الفلسطيني، ونتوخى منهم أن يمنحوا الفرصة لنجاح خطوة سمو الشيخ محمد بن زايد السلمية، واتفاقه مع إسرائيل على فتح قنوات الاتصال بها وإقامة علاقات طبيعية معها تمهيدًا لبدء مرحلة من التعاون الإماراتي الإسرائيلي بما قد يؤدي إلى تفاوض عربي إسرائيلي من أجل التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، وقد بدأت الخطوة الأولى بالفعل وقبل أي تحرك آخر بالاتفاق على إيقاف ضم إسرائيل للأراضي الفلسطينية، وإن اعتبرها البعض بأنها غير كافية، مع أن المعارضين لهذه الخطوة لم يقدموا أي بديل أو خيار عملي آخر غير الاتهام بالخيانة والطعن من الخلف وبيع القضية الفلسطينية دون أن يذكروا المقابل الذي كانت تحتاجه الإمارات وحصلت عليه.

في هذا الاتجاه؛ فإن الفضل يعود لأشقائنا الفلسطينيين في الإيمان بالحلول السلمية، وفي إرساء مبدأ التواصل والتباحث السري والعلني مع الإسرائيليين عندما تقابلوا وجهًا لوجه، بوساطة أميركية، وجلسوا معهم على طاولة المفاوضات السرية في أوسلو منذ العام 1991 التي توجت بتوقيع “اتفاق السلام” معهم برعاية أميركية في واشنطن في العام 1993، والتي أفضت في النهاية إلى تأسيس “السلطة الوطنية الفلسطينية” في الضفة الغربية وقطاع غزة.

إن إسرائيل تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع مصر والأردن، وتحتفظ بعلاقات سرية وطيدة مع عدد من الدول العربية الأخرى، وقد أقامت علاقات دبلوماسية متميزة مع تركيا، التي ترفع اليوم لواء المعارضة في وجه الاتفاق الإماراتي ، مع أنها من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل في 1949 بعد عام من قيامها، ونمت بينهما، وما تزال، علاقات اقتصادية واسعة وتعاون مثمر في المجالات العسكرية والأمنية وغيرها.

لقد حاول العرب حل القضية الفلسطينية سلميًا، عادة بعد أن تحل بهم الهزائم، أي من مواقع ضعيفة، وفي جو من عدم الثقة والشكوك المتبادلة والجفاء والعداء والقطيعة، إلا أن مبادرة محمد بن زايد تنبثق من منطلقات مختلفة وقواعد جديدة وخطاب يرتكز على المصالح المشتركة وعلى مبدأ التعاون كأساس لمد الجسور وتوطيد الثقة؛ انها  لغة المصالح ومن مركز قوة، لغة جديدة في الخطاب السياسي العربي، تختلف عن اللغة التي سمعها العالم منا منذ أكثر من 70 عاما وسئمها.

إن علينا جميعًا أن ندرك أن مبادرة محمد بن زايد تستند على قرار سيادي، وتفرضها مقتضيات وطنية وإقليمية، وتستند أيضًا على منطق الممكن والواقع، وتأخذ في الاعتبار المعطيات التي أفرزتها المستجدات والتطورات في المنطقة والعالم، وإن علينا في كل الأحوال التخلي عن ثقافة التجريم والتجريح والتخوين والشعارات الملتهبة، والمتاجرة بهذه القضية، وإضاعة مزيد من الفرص.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .