العدد 4333
الثلاثاء 25 أغسطس 2020
“أفْ... مللْ”
الثلاثاء 25 أغسطس 2020

“أفْ... مللْ” كلمتان تتكرران كثيراً على لسانِ الشبابِ في عصرِ التكنولوجيا والعولمة؛ فنراهم فجأةً وعلى حينِ غرة، يعلو صوتُهم بالضجر والتأففِ لعدم وجودِ ما يفعلونه أو يتسلونَ بالقيامِ به، فهل همْ حقاً يعانون من عدمِ وجود عملٍ يُزاولونه أم أنهم واقعونَ في جُبٍّ سحيقٍ من الفراغِ والكسل؟

بينما يعملُ الآخرونَ ويكدحونَ كدحاً حتى يُلاقوا ربَهم، تضجر فئةٌ من الشبابِ من الجلوسِ بلا شغلٍ ولا عمل، وكأن الأعمالَ انقرضتْ من على وجه الأرض، يضجرون لأنهم أنهوا كلَّ الأدوارِ في لعبةٍ إلكترونيةٍ ما، يضجرونَ لأنَّ مسلسلَهم انتهتْ حلقاتُه الطويلة، يملُّونَ إن لمْ يبقَ ما يفعلونه بهواتفِهم النقالة، حين لا يتحدثُ معهم أحد، ويعلو ضجيجُهم إنْ توقفَ الإرسالُ بسبب الشبكة، أو أنه بدأ يضعُف؛ فيخرجونَ من مخابئهم كما يخرجُ الجندُ في حملةِ رجلٍ واحدٍ لينهالوا على من أوقفَ الإرسالَ بالشتائم، فما الذي سيبقى لديهم للقيام به إن توقفت الشبكة العنكبوتية عن العمل؟!

هؤلاء المتأففون يتنفسونَ بشكلٍ مختلفٍ عنا؛ فشهيقُهم (أفْ) وزفيرُهم (ملل)، حتى أنهم يتدحرجونَ في مواضعهم ممتعضين أو يتجولون من غرفةٍ لأخرى وهم ينفثونَ دخانَ التأففِ في وجوه الآخرين الذين لا ذنبَ لهم سوى أنهم يعيشون معهم في المكان ذاته، هؤلاء الكسالى لا طاقةَ لهم على العمل والإنتاج، لكنهم يتمتعونَ بطاقةٍ سلبيةٍ جبارة ينشرونها كالمبيدِ الحشري في الأماكنِ التي يتواجدونَ فيها، وقد يُؤثِّرونَ سلباً إما ببثِ روحِ الضجرِ في نفوس الآخرين، أو بخلقِ حالةٍ من التوتر والاضطرابِ لدى المحيطين بهم.

ولا تقتصرُ هذه الظاهرةُ على الشبابِ وحده حتى نكون أكثرَ إنصافاً، فهنالك جمعٌ من الكُسالى البالغينَ أيضاً، ويظهرُ أن هؤلاء المتأففين ليسوا كُسالى فحسب، بل إنهم عميٌ وصُمٌ كذلك؛ فهم لا يرونَ مَنْ حولَهم وهم يُضنونَ أنفسَهم بالعملِ الدؤوب، فيَعرِضوا المساعدةَ عليهم أو يمدوا لهم يدَ العون، أو يضطلعوا بمسؤولياتِهم تجاهَ أسرِهم ومجتمعِهم أو ربما يكشفوا عن مواهبهم وإبداعاتهم، ولهم أقول، أما آنَ الأوان لأن تنفضوا عنكم غبارَ الكسلِ وتُشمِّروا سواعدِ الإنتاجِ والبناء حتى لا تجدوا للأف وقتا ولا للمللِ مكانا؟!.

التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .